الخميس، 29 أكتوبر 2026
مجتمع

الصخيرات.. بعد 28 سنة من الاستقرار، ساكنة الكاربون تواجه قرار الإفراغ والهدم وأسئلة المحاسبة

الصخيرات.. بعد 28 سنة من الاستقرار، ساكنة الكاربون تواجه قرار الإفراغ والهدم وأسئلة المحاسبة

هوسبريس-خالد غوتي
في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول الحكامة الإدارية ومصداقية القرارات المؤسساتية، تجد ساكنة الكاربون نفسها، سنة 2026، أمام قرار إفراغ منازلها تمهيداً لهدمها، بعدما استفادت من بقع أرضية وشيدت عليها مساكن منذ سنة 1998، وفق المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف.

وبين سنة 1998 وسنة 2026، مرت قرابة ثلاثة عقود، نشأت خلالها بيوت، وتكونت أسر، وترسخت علاقات اجتماعية، واستثمر مواطنون ما يملكونه من مدخرات في بناء مساكن اعتقدوا أنها ستوفر لهم الاستقرار والأمان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن أن يتحول الاستقرار الذي امتد لسنوات طويلة إلى مصدر للقلق والخوف من فقدان المأوى، دون أن تتضح للرأي العام المسؤوليات التي أوصلت الملف إلى هذه المرحلة؟

فإذا كانت هذه البقع الأرضية قد مُنحت للساكنة عبر جهات أو مؤسسات إدارية، فمن المسؤول عن التأكد من سلامة الإجراءات التي رافقت منحها؟ وهل جرى، قبل تمكين المواطنين منها، التحقق من الوضعية القانونية والعقارية للأرض، ومن مدى قانونية البناء عليها؟ وإذا كانت هناك اختلالات أو تجاوزات، فلماذا لم تتم معالجتها في حينها، بدل ترك الأسر تبني وتستقر وتؤسس حياتها على مدى سنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها أمام احتمال هدم منازلها؟

إن القضية لا تتعلق بمجرد بنايات يمكن إزالتها بقرار إداري، بل بمصير أسر وحقوق اجتماعية ومادية تراكمت على مدى عقود. فهل يُعقل أن يظل المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة القرارات الإدارية، يتحمل وحده نتائج ملفات قد تكون وراءها أخطاء أو تقصيرات لا يد له فيها؟ وهل أصبحت المسؤولية الإدارية تنتهي عند إصدار قرار الإفراغ والهدم، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بمنح البقع الأرضية وظروف ذلك معلقة دون أجوبة واضحة؟

أين تبدأ المحاسبة وأين تنتهي؟

إذا ثبت وجود اختلالات في مسطرة منح هذه البقع أو في الوثائق والإجراءات المرتبطة بها، فمن حق الرأي العام أن يعرف الجهات التي أشرفت على العملية، والأسس القانونية التي اعتمدتها، وما إذا كانت هناك مسؤوليات إدارية تستوجب التحقيق والمساءلة. فليس من المنطقي أن يُطلب من المواطن إخلاء منزله، بينما لا يعرف ما إذا كان أحد قد سُئل عن الظروف التي مكنته من الحصول على تلك البقعة والبناء فوقها منذ البداية.

وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل ستُفتح تحقيقات لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية عند الاقتضاء، أم أن الملف سينتهي بإفراغ الساكنة وهدم المنازل، لتُطوى معه صفحة سنوات من القرارات والإجراءات دون معرفة من أخطأ ومن يتحمل تبعات ذلك؟

وماذا عن التعويض وجبر الضرر؟

إن إفراغ المواطنين من مساكن استقروا فيها منذ سنة 1998 يفرض كذلك طرح أسئلة جوهرية حول مصيرهم بعد تنفيذ القرار. أين ستتجه هذه الأسر؟ وهل تتوفر على بدائل سكنية تحفظ كرامتها واستقرارها؟ وهل توجد إمكانية للتعويض عن الأضرار والخسائر التي قد تلحق بها، وفق ما تسمح به القوانين والوضعية القانونية لكل حالة؟ ومن سيتحمل تكلفة سنوات من البناء والتجهيز والاستثمار إذا ثبت أن الضرر نتج عن أخطاء أو تقصيرات منسوبة إلى جهات مسؤولة؟

لا يمكن الجزم مسبقاً بأحقية جميع المعنيين في التعويض أو تحديد الجهة الملزمة به دون الاطلاع على الوثائق والقرارات والوضعية القانونية لكل ملف، لكن ذلك لا يلغي حق الساكنة في الحصول على توضيحات رسمية، ولا حقها في معرفة المساطر المتاحة لحماية مصالحها والمطالبة بحقوقها.

أما المفارقة التي تستحق التوقف عندها، فهي أن المواطن قد يقضي سنوات طويلة في بناء منزله، ويؤسس فيه حياة أسرته، ثم يجد نفسه مطالباً بإخلائه بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود. وكأن الزمن وحده لم يعد كافياً لطرح سؤال المسؤولية، وكأن السنوات التي مرت على هذه المنازل لم تكن تستحق خلالها الجهات المعنية مراجعة الوضعية وتوضيحها ومعالجة الإشكالات المحتملة قبل بلوغ مرحلة الإفراغ والهدم.

الكاربون ليست مجرد ملف عقاري، بل امتحان للمسؤولية والثقة في المؤسسات.

إن المطلوب اليوم ليس إطلاق أحكام مسبقة أو التشكيك في مشروعية أي قرار قبل الاطلاع على أساسه القانوني، وإنما تقديم أجوبة واضحة للرأي العام، والاستماع إلى الساكنة، والكشف عن ظروف منح البقع الأرضية، وتحديد المسؤوليات إن ثبت وجود اختلالات، مع دراسة الحلول القانونية والاجتماعية التي تراعي حقوق المعنيين وتحد من الأضرار المحتملة.

فالمؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار قرارات الإفراغ والهدم، وإنما أيضاً بقدرتها على تفسير قراراتها، وتصحيح أخطائها إن وُجدت، وضمان عدم تحميل المواطن وحده تبعات اختلالات لم يكن طرفاً في صنعها.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً صريحاً من الجهات المعنية: إذا كانت ساكنة الكاربون قد استفادت من هذه البقع سنة 1998، وبنت عليها منازلها واستقرت فيها لسنوات طويلة، فما الذي تغير حتى أصبح الإفراغ والهدم مطروحاً سنة 2026؟ ومن يتحمل المسؤولية عن هذا المسار، وما مصير الأسر التي وجدت نفسها اليوم أمام احتمال فقدان منازلها؟

أسئلة مشروعة لا يكفي الرد عليها بقرار إداري؛ بل تستحق توضيحاً مؤسساتياً ومحاسبة قانونية عند ثبوت موجباتها، وحلولاً تحفظ كرامة المواطن وحقه في معرفة الحقيقة.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً