صناعة الألومنيوم والنحاس بالمغرب تحت المجهر.. أين نتائج الدعم العمومي؟
هوسبريس-سيداتي بيدا
تواجه صناعة الألومنيوم والنحاس بالمغرب تحديات تثير تساؤلات حول مستقبل هذا القطاع، في ظل معطيات متداولة بشأن صعوبات تواجه بعض الوحدات الإنتاجية، ومخاوف من انعكاساتها المحتملة على استمرارية المقاولات ومناصب الشغل.
وتعيد هذه التطورات، في حال تأكدها، فتح النقاش حول حصيلة الاختيارات الصناعية المعتمدة، ومدى قدرة التدابير الحكومية على الانتقال من دعم الاستثمار إلى بناء نسيج صناعي وطني قادر على الإنتاج بجودة عالية ومنافسة المنتجات المستوردة في الأسواق المحلية والدولية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد صعوبات ظرفية قد تواجه بعض الشركات، بل يمتد إلى تقييم فعالية السياسات العمومية الموجهة لدعم التصنيع، ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة بشأن خلق القيمة المضافة، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتوفير فرص شغل مستدامة.
دعم عمومي وانتظارات متزايدة.. أين تظهر النتائج؟
اعتمدت السلطات تدابير ترمي إلى تعزيز التصنيع المحلي وحماية توفر المواد الأولية، من بينها تقييد تصدير متلاشيات الألومنيوم والنحاس، إلى جانب تشجيع الاستثمارات الرامية إلى تحديث التجهيزات الصناعية وتحسين قدرات الإنتاج.
وكان الرهان من وراء هذه الإجراءات هو دعم المقاولات الوطنية، وتحسين مردوديتها، وتعزيز قدرتها على تلبية حاجيات السوق، فضلاً عن تقليص التبعية للخارج وتطوير القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
غير أن تقييم هذه التدابير يقتضي الوقوف على نتائجها الفعلية، من خلال مؤشرات واضحة تشمل تطور الإنتاج، وحجم الاستثمارات المنجزة، ومستوى التشغيل، وجودة المنتجات، وقدرة المقاولات المستفيدة على الاستمرار وتحقيق التوازن المالي.
وفي حال تأكدت المعطيات المتداولة بشأن توقف بعض الوحدات الإنتاجية أو تعرض شركات لصعوبات مالية تهدد استمراريتها، فإن ذلك يستدعي تقييماً دقيقاً لحصيلة البرامج المعتمدة، وتحديد العوامل التي حالت دون بلوغ بعض المقاولات أهدافها، فضلاً عن التحقق من مدى التزام المستفيدين من الدعم العمومي بالتعهدات المرتبطة باستثماراتهم.
فالدعم العمومي، مهما كانت أهميته في تحفيز الاستثمار، يظل أداة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية محددة، وهو ما يجعل تقييم أثره وربطه بالنتائج المحققة أمراً ضرورياً لضمان نجاعة الإنفاق العمومي.
جودة المنتوج.. رهان أساسي لتعزيز التنافسية
إلى جانب التحديات المرتبطة بالإنتاج والاستثمار، تبرز جودة المنتوج باعتبارها عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة، خصوصاً في الأسواق التي تفرض معايير تقنية صارمة ومتطلبات دقيقة للمطابقة.
وفي هذا السياق، تثير تقارير متداولة بشأن رفض بعض المنتجات المغربية في الأسواق الأوروبية، بدعوى عدم استيفائها شروط الجودة، تساؤلات تستدعي التحقق من صحتها بالاستناد إلى وثائق ومعطيات رسمية تحدد المنتجات المعنية، وأسباب الرفض، والجهات التي اتخذت القرارات ذات الصلة.
فلا يمكن التعامل مع هذه المعطيات باعتبارها وقائع ثابتة دون أدلة موثوقة، غير أن ما تطرحه من تساؤلات يعيد التأكيد على ضرورة إيلاء مراقبة الجودة والمطابقة التقنية أهمية مركزية في السياسات الصناعية.
ذلك أن توفير المواد الأولية وتحديث التجهيزات لا يكفيان وحدهما لضمان النجاح، ما لم يواكبهما تطوير الكفاءات التقنية، وتحسين أساليب الإنتاج، وتعزيز أنظمة المراقبة، والالتزام بالمعايير المعتمدة في الأسواق المستهدفة.
وفي ظل المنافسة الدولية، تتحدد مكانة المنتوج المغربي بقدرته على الجمع بين الجودة والسعر والموثوقية واحترام آجال التسليم، وهي عناصر أساسية لبناء علاقات تجارية مستدامة وتعزيز ثقة الزبائن والمستوردين.
افتحاص الدعم ومواكبة المقاولات المتعثرة
إن حماية الصناعة الوطنية لا تعني الاكتفاء بإقرار تدابير الدعم أو التمسك بالأهداف المعلنة، بل تستوجب تشخيصاً موضوعياً للاختلالات التي قد تعيق تطور القطاع، وتقييماً لمدى فعالية البرامج المعتمدة، وتحديداً للمسؤوليات وفق نتائج الافتحاص والمعطيات المتاحة.
ويبرز، في هذا الإطار، دور المواكبة التقنية والمالية للمقاولات التي تواجه صعوبات، بما يساعدها على تحسين الإنتاجية وتطوير الجودة واستعادة التوازن المالي، مع ضرورة التمييز بين التعثر الظرفي الناتج عن عوامل خارجية والاختلالات الهيكلية المرتبطة بالتدبير أو ضعف التنافسية.
كما أن إنقاذ الوحدات المهددة، حين تبرره المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، يمكن أن يشكل مدخلاً لحماية الاستثمارات ومناصب الشغل، شريطة أن يرتبط بإجراءات إصلاح واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وآليات لتتبع النتائج، حتى لا يتحول الدعم إلى تمويل متكرر دون معالجة الأسباب الحقيقية للتعثر.
ومن شأن اعتماد مؤشرات دقيقة لتقييم الأداء أن يتيح توجيه الموارد العمومية نحو الاستثمارات الأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوفير فرص الشغل، وتحسين القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.
«صنع بالمغرب».. من الطموح إلى النتائج الملموسة
يقف قطاع الألومنيوم والنحاس أمام تحديات تتطلب تنسيقاً بين السلطات العمومية والفاعلين الصناعيين، من أجل تحديد مكامن الخلل ووضع حلول عملية تضمن استمرارية المقاولات وتطوير قدراتها الإنتاجية.
ويظل الرهان الأساسي هو تحويل التدابير التحفيزية إلى نتائج ملموسة، من خلال رفع جودة المنتجات، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز تنافسية المقاولات، وضمان توجيه الدعم نحو مشاريع قادرة على الاستمرار والمساهمة في التنمية الاقتصادية.
وفي المحصلة، فإن مستقبل هذا القطاع لن يتحدد بحجم الوعود أو عدد الإجراءات المعلنة، بل بمدى انعكاسها على أرض الواقع، من حيث تطور الإنتاج، واستقرار المقاولات، وحماية مناصب الشغل، واحترام معايير الجودة.
فشعار «صنع بالمغرب» لا يكتسب قوته بمجرد رفعه، وإنما بمنتوج وطني قادر على فرض مكانته في السوق، وصناعة تمتلك مقومات الاستمرار والتطور، وسياسة صناعية تقاس فعاليتها بالأرقام والنتائج، لا بالنوايا والتصريحات وحدها.
التعليقات