الجمعة، 2 أكتوبر 2026
اقتصاد

السردين في المغرب.. ثروة بحرية تحت ضغط الاستغلال

السردين في المغرب.. ثروة بحرية تحت ضغط الاستغلال

هوسبريس-سيداتي بيدا 

يواجه السردين المغربي ضغوطًا متزايدة تضع مستقبل واحد من أهم الموارد البحرية أمام اختبار حقيقي، بعدما لم يعد النقاش مقتصرًا على الأسعار في الأسواق أو حجم المصطادات التي تدخل الموانئ، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المخزونات على التجدد واستمرار النشاط الاقتصادي الذي يقوم عليها.

وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها السردين ضمن المصايد الأطلسية، وما يرتبط به من أنشطة اقتصادية واسعة تشمل الصيد والتفريغ والنقل والتسويق والتصبير والتجميد، فضلًا عن آلاف المهنيين الذين تعتمد مداخيلهم بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا المورد.

وتعيد تحذيرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» بشأن وضعية عدد من المخزونات السمكية طرح سؤال الاستدامة بقوة، في ظل استمرار الضغوط التي تواجهها بعض المصايد وظهور مؤشرات على استنزاف مخزونات في مناطق شملتها التقييمات.

ورغم أن التقرير المعني يركز أساسًا على البحر المتوسط والبحر الأسود، فإن مضامينه تفرض نفسها في النقاش المتعلق بالمصايد المغربية، خصوصًا أن السردين يشكل أحد أهم أنواع الأسماك السطحية الصغيرة على امتداد السواحل الأطلسية، من الشمال إلى الأقاليم الجنوبية.

يفرض العلم نفسه في تدبير المخزونات

وأجرى برنامج «الفاو–نانسن» مسحًا علميًا واسعًا في مياه شمال غرب إفريقيا، بمشاركة علماء وتقنيين مغاربة، بهدف دراسة وفرة وكتلة وتوزيع الأسماك السطحية الصغيرة، وفي مقدمتها السردين.

وتكتسي هذه الأبحاث أهمية كبيرة في تحديد وضعية المخزونات وفهم العوامل المؤثرة فيها، سواء تعلق الأمر بضغط الصيد أو بالتغيرات البيئية والمناخية التي تؤثر في توزيع الأسماك وتكاثرها.

ويعني ذلك أن مستقبل السردين لا يمكن أن يحدد فقط من خلال حجم المصطادات أو عدد الرحلات البحرية، وإنما يحتاج إلى قرارات تستند إلى معطيات علمية دقيقة حول قدرة المخزونات على التجدد ومستويات الاستغلال التي يمكنها تحملها.

ترتبط الأقاليم الجنوبية بمنظومة اقتصادية واسعة

وتحتل الأقاليم الجنوبية موقعًا أساسيًا في هذه المعادلة، باعتبارها واجهة بحرية ترتبط بها موانئ ومصايد وسلاسل اقتصادية متعددة.

ويشغل السردين موقعًا داخل منظومة تمتد من الصيادين وأرباب القوارب إلى الوحدات الصناعية وشركات النقل والتسويق ومصانع التصبير والتجميد، ما يجعل أي تراجع في الموارد البحرية ذا انعكاسات مباشرة على عدد كبير من الأنشطة والمهنيين.

لكن الحفاظ على هذه المنظومة لا يمكن أن يقوم على رفع الإنتاج فقط، بل يتطلب أولًا حماية المورد الذي تستند إليه.

وتفرض هذه المعادلة تعزيز مراقبة المخزونات، واحترام فترات الراحة البيولوجية، ومحاربة الصيد غير القانوني، وربط مستويات الاستغلال بالمعطيات العلمية، بما يضمن التوازن بين مصالح القطاع وقدرة النظام البحري على التجدد.

تكشف التجربة المتوسطية أهمية خفض ضغط الصيد

وتظهر تجربة بعض المصايد المتوسطية أن تقليص الضغط على المخزونات يمكن أن ينعكس على وضعيتها. فقد سجلت «الفاو» انخفاضًا بنحو 50 في المائة في ضغط الصيد خلال العقد الأخير في المنطقة التي شملها التقييم، بالتزامن مع ارتفاع الكتلة الحيوية للمخزونات المقيمة، رغم استمرار وجود نسبة مهمة من المخزونات في حالة استغلال مفرط.

وتؤكد هذه المعطيات أن حماية الثروة السمكية لا تعني بالضرورة وقف النشاط الاقتصادي، وإنما تتطلب ضبط مستوى الاستغلال بما يسمح باستمرار المورد والنشاط المرتبط به على المدى الطويل.

يضع السردين الاقتصاد الأزرق أمام اختبار الاستدامة

وتتجاوز قضية السردين حدود قطاع الصيد البحري، بالنظر إلى ارتباطه بمنظومة اقتصادية واجتماعية واسعة، خصوصًا في المناطق التي تشكل فيها الأنشطة البحرية مصدرًا رئيسيًا للدخل.

فالاستنزاف المحتمل للمخزونات لا يهدد فقط موردًا طبيعيًا، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات على المهنيين والوحدات الصناعية وسلاسل التوزيع والمناطق التي تعتمد اقتصاداتها على البحر.

ولهذا، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في حجم ما يمكن استخراجه اليوم، وإنما في ضمان استمرار المورد خلال السنوات المقبلة.

وتبقى حماية البحر شرطًا أساسيًا لاستمرار الاقتصاد الأزرق؛ فالموانئ والاستثمارات والوحدات الصناعية وسلاسل التسويق لا يمكن أن تواصل نشاطها من دون موارد بحرية قادرة على التجدد.

ويفرض ذلك التعامل مع السردين باعتباره ثروة وطنية تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وليس مجرد منتوج يقاس بالكيلوغرامات أو بقيمة المصطادات.

فالنجاح الحقيقي لقطاع الصيد لا يقاس فقط بما تعود به السفن إلى الموانئ اليوم، وإنما بقدرتها على العودة بالمورد نفسه غدًا. وإذا كان البحر قد وفر للمغرب على مدى عقود ثروة مهمة، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في ضمان ألا يتجاوز الاستغلال قدرة هذه الثروة على التجدد.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً