ارتفاع تكاليف الشحن البحري يثقل كلفة الاستيراد بالمغرب
هوسبريس-سيداتي بيدا
تواجه المقاولات المغربية المستوردة ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف النقل البحري، في ظل مراجعات جديدة لأسعار الشحن والرسوم الإضافية التي تفرضها شركات النقل الدولية. وتثير الفوارق المسجلة في تعريفة نقل الحاويات من آسيا نحو المغرب، مقارنة ببعض الوجهات الأوروبية، تساؤلات بشأن انعكاساتها على كلفة الاستيراد وتنافسية المقاولات، واحتمال انتقال جزء من هذه الأعباء إلى أسعار المنتجات في السوق الوطنية.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن التعريفات الجديدة إلى أن الفارق في أسعار شحن بعض الحاويات قد يصل إلى 1000 دولار، أي ما يقارب 9800 درهم، مقارنة ببعض الوجهات الأوروبية، فيما يرتفع الفارق مع الجزائر إلى نحو 1400 دولار. وتعيد هذه الأرقام ملف كلفة النقل البحري إلى الواجهة، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد المغربي على استيراد المواد الأولية والمنتجات الصناعية والسلع الاستهلاكية.
شركات الشحن تراجع التعريفات والمستوردون أمام تكاليف إضافية
أعادت التسعيرات التي أعلنت عنها شركات النقل البحري الدولية، من بينها «إم إس سي» (MSC) و«ميرسك» (Maersk) و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM)، النقاش حول الأعباء المالية المرتبطة بنقل البضائع إلى الموانئ المغربية، خصوصاً في ظل تعدد الرسوم الإضافية المرتبطة بالوقود والانبعاثات والخدمات الإدارية.
وتكشف معطيات واردة في إشعار لشركة «إم إس سي»، مؤرخ في 28 شتنبر الماضي، عن تحديد تعريفة نقل الحاوية بطول 20 قدماً من موانئ الشرق الأقصى إلى الدار البيضاء في 4550 دولاراً، أي ما يعادل نحو 44 ألفاً و583 درهماً، فيما بلغت تعريفة الحاوية بطول 40 قدماً 5500 دولار، بما يقارب 53 ألفاً و892 درهماً، خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 31 أكتوبر الجاري.
ولا تمثل هذه التعريفات بالضرورة التكلفة الإجمالية لعملية الاستيراد، إذ تضاف إليها، بحسب طبيعة الشحنة وشروط التعاقد، مصاريف التأمين والتخليص الجمركي والنقل الداخلي والتخزين، فضلاً عن رسوم أخرى قد تختلف من عملية تجارية إلى أخرى.
ويضع هذا الوضع المقاولات المستوردة أمام تحدي ضبط تكاليفها، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على الإمدادات الآسيوية لتأمين المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، حيث يمكن لأي زيادة في كلفة النقل أن تؤثر على هوامش الربح وكلفة التصنيع والتوزيع.
فوارق الأسعار بين المغرب والوجهات الأخرى تثير التساؤلات
تطرح الفوارق المسجلة في بعض تعريفات الشحن نحو المغرب، مقارنة بوجهات أوروبية والجزائر، تساؤلات بشأن العوامل التي تتحكم في تحديد الأسعار، ومدى ارتباطها بالمسافات البحرية وحجم المبادلات التجارية وظروف التعاقد والرسوم المطبقة على مختلف الخطوط الملاحية.
غير أن تقييم هذه الفوارق يقتضي مقارنة عروض شحن متطابقة من حيث الموانئ المعنية، وفترة الحجز، ونوع الحاويات، والخدمات المشمولة، والرسوم الإضافية، حتى يتسنى تحديد الأسباب الفعلية وراء اختلاف التعريفات.
ورغم استثناء المغرب من بعض الزيادات المرتبطة بموسم الذروة، وفق المعطيات المتداولة، فإن تعدد الرسوم وتغير التسعيرات يظلان عاملين مؤثرين في حسابات المستوردين، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تتوفر على هامش محدود لامتصاص تقلبات تكاليف النقل.
هل تنتقل الزيادات إلى أسعار المنتجات؟
يتجاوز أثر ارتفاع تكاليف الشحن قيمة الفاتورة التي يؤديها المستورد عند وصول الحاويات إلى الموانئ، إذ يمكن أن يمتد إلى مختلف مراحل سلسلة التوريد، من اقتناء المواد الأولية إلى التصنيع والتوزيع، وصولاً إلى البيع النهائي.
ويتوقف حجم هذا التأثير على طبيعة المنتجات المستوردة، ووزن النقل في تكلفتها الإجمالية، وقدرة المقاولات على امتصاص الزيادات أو التفاوض بشأنها، فضلاً عن مستوى المنافسة في السوق. وفي حال تعذر استيعاب الأعباء الإضافية، قد تلجأ بعض المقاولات إلى مراجعة أسعار البيع، بما قد ينعكس على القدرة الشرائية للمستهلكين.
كما أن استمرار ارتفاع تكاليف الشحن قد يؤثر على تنافسية المنتجات المغربية، خصوصاً تلك التي تعتمد صناعتها على مدخلات مستوردة، في وقت تظل فيه القدرة على توقع التكاليف والتحكم فيها عاملاً أساسياً في التخطيط التجاري والإنتاجي.
الشفافية وتنويع خيارات النقل لتخفيف الضغط
في ظل هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى تعزيز الشفافية في تسعيرات النقل البحري، وتوضيح مكونات الفواتير والرسوم الإضافية التي تتحملها المقاولات المستوردة، بما يساعد الفاعلين الاقتصاديين على فهم أسباب الفوارق بين الوجهات وتقدير التكلفة النهائية للشحن بدقة أكبر.
ويظل تنويع خيارات النقل والتفاوض بشأن العقود وشروط الشحن من بين الوسائل التي يمكن أن تساعد المقاولات على الحد من أثر تقلبات الأسعار، إلى جانب تتبع تطور التعريفات ومقارنة العروض المتاحة وفق معايير موحدة.
كما يكتسي توفير معطيات دقيقة وقابلة للمقارنة بشأن كلفة النقل والرسوم المطبقة أهمية خاصة، ليس فقط بالنسبة إلى المستوردين، بل أيضاً بالنسبة إلى مختلف الفاعلين المعنيين بتنافسية الاقتصاد الوطني واستقرار الأسعار.
وفي نهاية المطاف، لا تقتصر الإشكالية على ارتفاع سعر الحاوية في حد ذاته، بل تمتد إلى قدرة المقاولات المغربية على توقع تكاليفها وضمان استمرارية نشاطها في ظل سوق دولية متغيرة. وبين تقلبات التعريفات وتعدد الرسوم، يبقى وضوح التسعيرات وتوفير بدائل تنافسية للنقل البحري عنصرين أساسيين للحد من الضغوط على كلفة الاستيراد، وتفادي انتقال أعباء إضافية إلى السوق الوطنية والمستهلك المغربي.
التعليقات