الجزائر تغامر بجيشها في النيجر لاستعادة نفوذها المفقود في الساحل
هوسبريس-خالد غوتي
في تحول لافت في سياستها الخارجية، اختارت الجزائر فتح الباب أمام نشر وحدات من جيشها في النيجر، في خطوة تتجاوز، من حيث دلالاتها السياسية، المبرر المعلن المتعلق بحماية المصالح الطاقية، وتطرح تساؤلات جدية بشأن دوافع التحرك وتوقيته وقدرة الجزائر على تحمل تبعاته. فبعد سنوات من تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية تفضل الوساطة الدبلوماسية وترفض التدخل العسكري خارج حدودها، تجد الجزائر نفسها أمام اختبار ميداني في منطقة لم تنجح حتى القوى العسكرية الأكثر خبرة وتجهيزا في فرض الاستقرار داخلها.
وأقر البرلمان الجزائري، الأحد 25 أكتوبر 2026، إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، في قرار يمثل تحولا مهما في النهج الدفاعي للبلاد، بينما لم تعلن السلطات، إلى حدود التقارير المنشورة، العدد النهائي للجنود أو موعد انتشارهم الفعلي. وتفيد تقارير بأن المهمة المحتملة ترتبط بقاعدة ماداما في شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية، فيما تقول السلطات الجزائرية إن الهدف يتمثل في حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ولا سيما المشاريع النفطية.
لكن المشكلة لا تكمن في تغيير العقيدة العسكرية بحد ذاته، بقدر ما تكمن في الانتقال من خطاب سياسي يقوم على رفض التدخل الخارجي إلى خيار ميداني لم تتضح بعد حدوده العملية. فالجزائر التي طالما استندت إلى مبدأ احترام سيادة الدول وعدم فرض الحلول بالقوة، باتت مطالبة بتفسير أسباب انتقالها إلى نشر قوات في دولة يحكمها نظام عسكري وصل إلى السلطة بانقلاب، ويواجه تحديات أمنية وسياسية مستمرة.
ويبدو أن ما يجري يتجاوز مسألة حماية منشآت اقتصادية، ليعكس محاولة جزائرية لإعادة ترتيب علاقاتها في منطقة الساحل بعد تعرض نفوذها الدبلوماسي لانتكاسات متتالية. فقد تراجعت فعالية الوساطة الجزائرية في الأزمة المالية، وتصاعد التوتر مع باماكو عقب إسقاط طائرة مسيرة مالية، قبل أن تنضم النيجر وبوركينا فاسو إلى مواقف دبلوماسية متشددة تجاه الجزائر. وجاء التقارب الجديد مع نيامي في سياق سعي الجزائر إلى استعادة قنوات التعاون مع أحد أبرز جيرانها الجنوبيين.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فبدلا من معالجة أسباب تراجع الحضور الجزائري عبر مراجعة أدواتها الدبلوماسية وبناء شراكات أكثر استقرارا، أصبح الخيار العسكري جزءا من معادلة استعادة النفوذ. وهو مسار قد يمنح الجزائر حضورا ميدانيا، لكنه لا يضمن لها استعادة وزنها السياسي، لأن النفوذ لا يقاس بعدد الجنود المنتشرين خارج الحدود، بل بمدى القدرة على التأثير في القرارات، واحتواء الأزمات، وبناء تفاهمات لا تتغير بتغير موازين القوى.
والأكثر إحراجا للخطاب الجزائري أن التقارب الحالي مع السلطات النيجيرية يأتي بعد مرحلة من التوتر بين الطرفين بسبب موقف الجزائر من انقلاب يوليوز 2023. فالدولة التي أبدت تحفظات على الانقلاب تجد نفسها اليوم أمام تعاون عسكري متقدم مع السلطة التي أفرزها، في تحول يطرح أسئلة حول ثبات المعايير التي تستند إليها سياستها الخارجية، ومدى حضور الاعتبارات المبدئية عندما تتعارض مع حسابات المصالح والنفوذ.
لا يعني ذلك أن التعاون الأمني بين الدول المتجاورة أمر غير مشروع، لكن التحولات السريعة في المواقف تستدعي توضيحا سياسيا مقنعا. فحين تنتقل العلاقة من التوتر إلى التنسيق العسكري، ثم إلى احتمال نشر القوات، يصبح من الضروري معرفة ما إذا كانت الجزائر تتحرك وفق استراتيجية إقليمية متكاملة، أم أنها تسعى إلى تعويض خسائر دبلوماسية سابقة عبر خطوات ميدانية قد تكون نتائجها أبعد من أهدافها المعلنة.
وتزداد علامات الاستفهام عندما يتعلق الأمر بالمبرر الاقتصادي. فحماية استثمارات شركة سوناطراك في النيجر، وتأمين المصالح المرتبطة بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، هدفان يمكن تفهم أهميتهما بالنسبة إلى الجزائر. غير أن أهمية المصالح الاقتصادية لا تعني تلقائيا أن نشر الجيش هو الوسيلة الأكثر فعالية لحمايتها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنطقة شاسعة تتداخل فيها التهديدات المسلحة وشبكات التهريب والصراعات السياسية.
كما أن اختيار قاعدة ماداما، إذا تأكد تنفيذه، يفرض أسئلة إضافية بشأن طبيعة المهمة ومدى ارتباط الموقع بالمنشآت النفطية المستهدفة. فالموقع القريب من الحدود الليبية يضع القوات المحتملة في مجال جغرافي تتقاطع فيه تحركات مسلحة وطرق عبور صحراوية، ما قد يجعل مهامها أوسع من مجرد حماية منشأة اقتصادية محددة. وحتى الآن، لا تكفي المعلومات المعلنة للحسم في نطاق الانتشار أو طبيعة المهام الميدانية المنتظرة.
وهذا الغموض هو ما يجعل القرار عرضة للانتقاد. فإذا كانت المهمة اقتصادية ومحدودة، فما الذي يستدعي وجودا عسكريا في منطقة بعيدة نسبيا عن بعض المصالح النفطية الجزائرية؟ وإذا كانت المهمة تتعلق بمراقبة المجال الصحراوي والحد من تحركات الجماعات المسلحة، فلماذا لا تقدم السلطات تصورا واضحا يحدد أهدافها الأمنية والمدة اللازمة لتحقيقها؟ أما إذا كان المقصود هو دعم السلطة النيجيرية وتثبيت التعاون معها، فإن الأمر يتجاوز حماية الاستثمارات إلى الانخراط في حسابات سياسية داخلية لدولة أخرى.
إن تقديم حماية المصالح الطاقية باعتبارها مبررا عاما قد يسهل تمرير القرار سياسيا، لكنه لا يغني عن شرح تفاصيله. فالاستثمارات لا تحميها القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى بيئة سياسية مستقرة، ومؤسسات قادرة على فرض القانون، واتفاقات اقتصادية واضحة، وتعاون محلي يحد من المخاطر. أما الاعتماد على الانتشار العسكري في بيئة غير مستقرة، فقد يرفع كلفة المشاريع نفسها بدلا من خفضها، خصوصا إذا تحول وجود القوات إلى عامل إضافي في حسابات الأطراف المسلحة.
وتبدو المقارنة مع التجربة الفرنسية في الساحل ضرورية في هذا السياق، لا لأن الظروف الجزائرية مطابقة للظروف الفرنسية، بل لأن المنطقة قدمت درسا واضحا بشأن حدود القوة العسكرية. فقد أنهت فرنسا وجودها العسكري في النيجر أواخر عام 2023، بعد انسحابات سابقة من مالي وبوركينا فاسو، من دون أن تتمكن سنوات التدخل من إنهاء جذور الاضطراب الأمني والسياسي. كما أعادت دول الساحل ترتيب شراكاتها الخارجية في ظل تصاعد الخلافات مع باريس وتزايد الحضور الروسي.
ولا تمنح هذه التجربة الجزائر ضمانة بأن تدخلها سيكون أكثر نجاحا لمجرد أنها دولة مجاورة، أو لأنها تعرف طبيعة المنطقة وتاريخها. فالقرب الجغرافي يوفر مزايا استخباراتية ولوجستية، لكنه يجعل أي تدهور أمني أكثر تأثيرا على الحدود والمصالح الوطنية. كما أن امتلاك جيش قوي لا يعني امتلاك القدرة على معالجة الانقسامات الداخلية أو إنهاء نشاط الجماعات المسلحة أو فرض تسوية سياسية على أطراف متنازعة.
وتزداد حساسية الرهان عندما يصبح التحرك العسكري وسيلة لإثبات الحضور في مواجهة قوى خارجية. فالسباق على النفوذ في الساحل لا يضمن مكاسب دائمة لأي طرف، وقد تتحول القواعد العسكرية إلى نقاط استنزاف تتطلب دعما متواصلا، بينما تظل القرارات السياسية في نيامي مرتبطة بتوازنات داخلية وخارجية قابلة للتغير. ومن ثم، فإن مجرد نشر القوات لا يثبت أن الجزائر أصبحت أكثر تأثيرا، بل قد يكشف عن حاجتها إلى أدوات مكلفة لتعويض تراجع قدرتها على التأثير بالوسائل الدبلوماسية.
أما داخليا، فإن الموافقة البرلمانية لا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح لاستخدام القوة من دون نقاش مستمر بشأن النتائج والتكاليف. فالمواطن الجزائري معني بمعرفة حجم الموارد التي ستخصص للعملية، وطبيعة المخاطر التي قد يتعرض لها الجنود، والضمانات الموضوعة لمنع توسع المهمة، فضلا عن المعايير التي ستعتمدها السلطات لتحديد موعد انتهائها. ولا يكفي الاستناد إلى الأمن القومي لتجاوز هذه الأسئلة، لأن حماية الأمن القومي تقتضي أيضا تجنب الالتزامات الخارجية غير المحددة.
وتكمن إحدى أكبر المعضلات في أن أي انتشار عسكري قد يبدأ محدودا ثم يتوسع بفعل التطورات. فالتعرض لهجوم قد يفرض تعزيز القوات، وتكرار التهديدات قد يدفع إلى توسيع نطاق المراقبة، فيما يمكن أن يؤدي تغير السلطة في النيجر إلى مراجعة الاتفاقات التي يقوم عليها الانتشار. وفي كل مرة، ستجد الجزائر نفسها أمام خيارات مكلفة: زيادة التورط العسكري، أو قبول تراجع مستوى الحماية، أو الانسحاب مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق وصول الجنود لا يتعلق فقط بقدرتهم على تنفيذ المهمة، بل بقدرة القيادة الجزائرية على تحديد نهايتها. فما الضمانات التي تمنع تحول حماية الاستثمارات إلى حماية طرق الإمداد والقواعد والمجال المحيط بها؟ وما الخطة البديلة إذا تعذر تحقيق الأهداف المعلنة؟ وهل تملك السلطات تصورا واضحا للتعامل مع تغير الظروف السياسية في نيامي أو اتساع التهديدات المسلحة؟
إن الجزائر، وهي تفتح الباب أمام أول انتشار عسكري خارجي من هذا النوع منذ عقود، لا تواجه اختبارا عسكريا فحسب، بل اختبارا لمصداقية خطابها الدبلوماسي ولقدرتها على التمييز بين حماية المصالح ومطاردة النفوذ. فليس كل حضور عسكري مكسبا استراتيجيا، وليس كل تراجع دبلوماسي قابلا للتعويض بالقوات، كما أن الدخول إلى مناطق الأزمات لا يمنح الدولة بالضرورة قدرة أكبر على التحكم فيها.
وقد يكون من المشروع أن تسعى الجزائر إلى حماية مصالحها النفطية وتعزيز أمن حدودها الجنوبية، لكن مشروعية الهدف لا تحسم جدوى الوسيلة. وبين إعلان المهمة وتنفيذها، تظل هناك أسئلة تتعلق بكلفتها وحدودها ومخاطرها، وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الاكتفاء بإحاطتها بالسرية.
وفي المحصلة، قد تجد الجزائر نفسها أمام مفارقة يصعب تجاهلها: تحرك عسكري يراد منه تعزيز الحضور الإقليمي، لكنه قد يربط مصالحها أكثر بأوضاع سياسية وأمنية لا تملك السيطرة عليها. وإذا لم تكن المهمة محددة الأهداف والمدة وقواعد الانسحاب، فإن الخطوة التي تقدم باعتبارها حماية للمصالح قد تتحول إلى عبء جديد على الدبلوماسية والاقتصاد والأمن الجزائري، في منطقة لا تكافئ بالضرورة من يندفع إليها بحثا عن النفوذ.
التعليقات