بوزنيقة.. مراسلة ثمانية منتخبين بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التفتيش تفتح نقاش الحكامة المحلية
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تخضع عادة للمراقبة داخل الجماعات الترابية، والتي تشمل طرق التدبير، واحترام المساطر القانونية، وتدبير الموارد، وتنفيذ المشاريع والميزانية، ومدى التقيد بالقواعد المنظمة للعمل الجماعي.
غير أن توجيه ملاحظات أو طلب تقديم توضيحات لا يعني، في حد ذاته، ثبوت أي مخالفة أو ترتيب مسؤولية على الأشخاص المعنيين، إذ يظل الأمر جزءًا من مسار رقابي يفترض أن ينتهي بعد دراسة الأجوبة والوثائق والمعطيات ذات الصلة.
أكثر من ثلاثة أشهر من التفتيش
وفق المعطيات المتداولة، باشرت لجنة تابعة لمفتشية وزارة الداخلية عملية تفقد بجماعة بوزنيقة، استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن توجه ملاحظات إلى ثمانية من منتخبي الجماعة المعنيين.
وتظل مدة التفتيش، في حد ذاتها، غير كافية للحكم على طبيعة الملاحظات أو درجة أهميتها، ما دام تحديد المسؤوليات يقتضي الاطلاع على مضمون الملاحظات والردود المقدمة بشأنها، ثم ما ستخلص إليه الجهة المختصة بعد دراسة مختلف المعطيات.
وتبرز هذه المرحلة أهمية الوثائق والردود الرسمية، باعتبارها الأساس الذي يمكن من خلاله تحديد ما إذا كانت الملاحظات مرتبطة بتوضيحات إدارية أو بإشكالات قابلة للتصحيح، أو تتعلق بأمور تستدعي إجراءات أخرى وفقًا للمساطر المعمول بها.
الرقابة لا تعني الإدانة
وتفرض مثل هذه الملفات التمييز بين عملية المراقبة وبين ثبوت المخالفة. فالتفتيش الإداري يندرج ضمن آليات تتبع وتقييم طرق تدبير المرافق والموارد العمومية، والتحقق من مدى احترام القوانين والمساطر، ورصد الاختلالات المحتملة والعمل على تصحيحها.
كما أن منظومة تدبير الجماعات الترابية تتضمن آليات للمراقبة والتقييم والافتحاص، بما يسمح بتتبع مستوى تنفيذ البرامج والأنشطة ومدى احترام القواعد المنظمة للتدبير المحلي.
وعليه، فإن مطالبة منتخب بتقديم جواب بشأن ملاحظة معينة لا تشكل حكمًا مسبقًا عليه، وإنما تندرج ضمن مرحلة من مراحل التحقق واستكمال المعطيات قبل الوصول إلى أي خلاصة نهائية.
ثمانية منتخبين أمام مسؤولية تقديم التوضيحات
وتتجه الأنظار، في المرحلة الحالية، إلى مضمون الأجوبة التي سيقدمها المنتخبون الثمانية المعنيون، وما إذا كانت ستتضمن وثائق ومعطيات من شأنها توضيح النقاط التي أثارتها عملية التفتيش.
وفي حال تعلق الأمر بملاحظات يمكن معالجتها أو تصحيحها، فإن المسار الرقابي يتيح للجهة المعنية اتخاذ الإجراءات اللازمة لتداركها وتحسين طرق التدبير.
أما تحديد المسؤولية، فيبقى مرتبطًا بالأفعال والوثائق والاختصاصات القانونية لكل طرف، وبما ستخلص إليه الجهات المختصة بعد استكمال مختلف مراحل المسطرة.
المال العام والخدمات في صلب اهتمام السكان
يتجاوز الاهتمام بهذه العملية حدود الجانب الإداري، بالنظر إلى أن تدبير الجماعات الترابية يرتبط مباشرة بمصالح السكان وبعدد من الملفات التي تؤثر في حياتهم اليومية.
فالمشاريع المحلية، والبنية التحتية، والصفقات، وتنفيذ الميزانية، وتدبير الموارد، وجودة الخدمات والمرافق العمومية، كلها ملفات تهم المواطن بشكل مباشر، وتجعل من آليات المراقبة عنصرًا أساسيًا في ضمان حسن تدبير الموارد العمومية.
ويشكل القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات أحد الأطر القانونية الأساسية التي تنظم اختصاصات الجماعات وكيفيات تدبيرها وعلاقاتها بمختلف أجهزة الرقابة والتتبع.
بين الانتظار الرسمي وتساؤلات الرأي العام
وفي ظل تداول معطيات حول ملف التفتيش، تبرز الحاجة إلى انتظار النتائج الرسمية بدل تحويل الملاحظات الأولية إلى أحكام نهائية في حق المنتخبين المعنيين.
فالفصل بين الملاحظة والإدانة، وبين طلب التوضيح وإثبات المسؤولية، يظل ضروريًا لضمان نقاش عمومي قائم على المعطيات بدل التأويلات والاستنتاجات المسبقة.
وفي المقابل، فإن اهتمام الرأي العام المحلي بهذا النوع من الملفات يبقى طبيعيًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتدبير الشأن العام والموارد الجماعية. ومن ثم، فإن توضيح مآل الملاحظات والردود عليها من شأنه أن يضع حدًا للتأويلات ويفتح المجال أمام تقييم موضوعي لعملية المراقبة.
بوزنيقة أمام اختبار الحكامة
وتضع هذه القضية جماعة بوزنيقة أمام اختبار جديد على مستوى الشفافية والحكامة، ليس فقط من خلال نتائج عملية التفتيش، وإنما أيضًا من خلال كيفية التعامل مع الملاحظات والرد عليها وتصحيح الاختلالات، إن ثبت وجودها.
فالرقابة لا تقتصر وظيفتها على رصد مكامن الخلل، وإنما يمكن أن تشكل آلية لتحسين الأداء وتفادي تكرار الملاحظات، بما يساهم في تطوير طرق تدبير المرفق العمومي المحلي.
وفي انتظار استكمال المسطرة وظهور النتائج الرسمية، تبقى الوثائق والأجوبة والخلاصات النهائية هي الفيصل في تحديد طبيعة الملاحظات وما قد يترتب عنها.
وبالنسبة إلى سكان بوزنيقة، فإن الرهان الأساسي يظل مرتبطًا بضمان تدبير واضح وشفاف للشأن المحلي، واحترام القواعد القانونية، وحسن استخدام الموارد العمومية، وتحسين جودة الخدمات والمشاريع الموجهة إلى السكان.
في نهاية المطاف، لن تحسم هذه القضية التأويلات المتداولة، وإنما ما ستكشف عنه الوثائق والردود والنتائج الرسمية للمسار الرقابي.
التعليقات