إسماعيل أكنكو يكتب: البرنامج الحكومي 2026–2031 بين طموح الالتزامات واختبار التنفيذ
بقلم اسماعيل اكنكو
في بادئ الأمر لابد من التأكيد على أن أهمية البرنامج الحكومي لا تنبع من تعدد أولوياته أو اتساع الوعود التي يتضمنها، وإنما في قدرته على تحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة. ومن هذه الزاوية، يثير البرنامج (تصريح رئيسة الحكومة)المعروض أمام البرلمان اليوم سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بتعاقد سياسي محدد المعالم، أم بإطار توجيهي واسع تظل فعاليته رهينة ما ستكشف عنه مرحلة التنزيل؟
وبالرجوع إلى متن هذا التصريح تتمثل إحدى نقاط قوته في اعترافه الصريح بأن التحدي لم يعد محصورا في توسيع الاستثمار والتغطية الاجتماعية، بل أصبح مرتبطا بجودة الخدمات العمومية، ومردودية الإنفاق، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل وتحسن ملموس في مستوى المعيشة. كما أن تحديد أهداف كمية، من قبيل رفع نسبة التحكم في التعلمات الأساسية إلى 80%، واستهداف نمو اقتصادي سنوي بنسبة 5%، يمنح بعض الالتزامات قابلية أولية للقياس والمقارنة.
غير أن مكمن الإشكال يكمن في المسافة الفاصلة بين تحديد الأهداف وضمان شروط تحقيقها. فبلوغ هذه الغايات يقتضي توضيح كلفة البرامج ومصادر تمويلها، وتحديد الجدولة الزمنية، والجهات المسؤولة عن التنفيذ، وآليات التتبع والتقييم. كما أن الجمع بين توسيع الالتزامات الاجتماعية، وضبط عجز الميزانية في حدود 3%، وتقليص المديونية، يطرح سؤال التوازن بين الطموح الاجتماعي والقيود المالية، ومدى قدرة النمو المرتقب على تمويل هذه الالتزامات.
ومن منظور آخر يستدعي البرنامج قراءة مؤسساتية تتجاوز مضمون الوعود إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان. فالفصل 88 من الدستور يجعل البرنامج موضوعا للمناقشة والتصويت، بينما يحدد الفصل 89 مسؤولية الحكومة عن تنفيذه. وعليه، فإن القيمة الدستورية والسياسية لهذا التعاقد لا تكتمل بمجرد نيل الثقة، بل تتطلب رقابة برلمانية منتظمة، ونشرا شفافا لمؤشرات الإنجاز، وربط النتائج بالمسؤولية السياسية.
و من زاوية أخرى، فإن الرهان المركزي يتمثل في استعادة الثقة في الفعل العمومي عبر تقليص الفجوة بين الخطاب والنتائج. فالالتزامات المتعلقة بقضايا الهوية و بالتشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، ومكافحة الفساد، ستظل موضوع اختبار فعلي بقدر ما تتركه من أثر في الحياة اليومية للمواطنين، لا بقدر ما تحتله من مساحة في الوثيقة الحكومية.
صفوة القول، يقدم البرنامج طموحا إصلاحيا واسعا، ويتضمن أهدافا قابلة للقياس في عدد من المجالات، لكنه يضع الحكومة أمام تحدي الانتقال من إعلان الالتزامات إلى إثبات القدرة على تنفيذها. فالمعيار الحاسم ليس كثرة الوعود، وإنما وضوح وسائل تحقيقها، وشفافية تقييمها، وإمكانية مساءلة المسؤولين عنها. ومن هنا تبدأ المسافة بين البرنامج بوصفه وثيقة سياسية، والبرنامج باعتباره تعاقدا عموميا منتجا للنتائج.
التعليقات