إسحاق إسحاق شارية: لا إصلاح دون محاسبة ولا ثقة دون تغيير
هوسبريس-خالد غوتي
كشفت حلقة برنامج «رؤى ومواقف» أن المشهد السياسي، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، لم يعد يحتمل مزيداً من الخطابات المكررة والوعود المؤجلة، بعدما تحولت الحلقة إلى مواجهة سياسية ساخنة حول حصيلة الحكومة، وأزمة الثقة، ومستقبل الديمقراطية، في وقت خطف فيه إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، الأضواء بخرجة سياسية قوية ومباشرة وضعت عدداً من الملفات الحساسة في قلب النقاش.
الحلقة التي قدمها الإعلامي عبد الله لشكور، وجمعت إلهام بلفحيلي، الأمينة العامة لحزب الاتحاد المغربي للديمقراطية، وإسحاق شارية، لم تكن مجرد حوار عابر بين ممثلين لحزبين سياسيين، بل حملت رسائل ثقيلة عن واقع اجتماعي واقتصادي يزداد تعقيداً، وعن مواطن لم يعد يقتنع بسهولة بلغة الأرقام والوعود.
وإذا كانت إلهام بلفحيلي قد اختارت الدخول إلى النقاش من بوابة الوضع الاجتماعي، منتقدة تدبير ملفات البطالة والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة، فإن شارية اختار رفع سقف المواجهة، واضعاً الحكومة أمام مرآة واقع لا يمكن حجبه بالخطابات الرسمية.
أصاب شارية في مقتل حين تحدث عن الهجرة الجماعية للشباب، باعتبارها واحدة من أخطر الرسائل التي يوجهها الواقع إلى المسؤولين. فالشاب الذي يغامر بحياته بين الأمواج بحثاً عن مستقبل في الضفة الأخرى لا يفعل ذلك عبثاً، بل لأن شيئاً ما انهار في علاقته بالأمل.
لم تكن مداخلة شارية صرخة سياسية للاستهلاك الإعلامي، ولا محاولة للبحث عن عنوان انتخابي سريع، بل بدت أقرب إلى قراءة صادمة للواقع. فقد ربط بين مشاهد الهجرة الجماعية وبين فشل السياسات في توفير شروط العيش الكريم، مؤكداً أن الحقيقة لا يمكن اختزالها في أرقام النمو أو البلاغات الحكومية ما دام آلاف الشباب يرون في الهروب من الوطن فرصة أخيرة للنجاة.
وهنا بالضبط كانت قوة خرجة الأمين العام للحزب المغربي الحر؛ إذ اختار الحديث بلغة مباشرة، بعيدة عن التجميل والمجاملات السياسية. فتح ملف الاحتكار، وأعاد طرح قضية تضارب المصالح، وجعل من المحاسبة المدخل الحقيقي لأي إصلاح جدي.
فلا تعليم يمكن إصلاحه بالشعارات، ولا صحة يمكن إنقاذها بالوعود، ولا ثقة يمكن استعادتها دون محاسبة. تلك كانت الرسالة السياسية الأوضح التي حملتها مداخلة شارية، وهو يضع الأصبع على واحد من أكثر الجروح إيلاماً في المشهد العام: الإفلات من المسؤولية حين يتعلق الأمر بمن يملكون النفوذ والمال.
وفي المقابل، قدمت إلهام بلفحيلي صورة قاتمة عن الوضع الاجتماعي، معتبرة أن المواطن لم يلمس النتائج التي كان ينتظرها من الأوراش الكبرى، خصوصاً في ظل استمرار البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والصعوبات التي تواجهها الأسر في التعليم والصحة.
لكن شارية ذهب أبعد من تشخيص الأزمة، عندما نقل المسؤولية مباشرة إلى المواطن، داعياً إلى استعمال الصندوق الانتخابي كوسيلة للمحاسبة والتغيير. وهي دعوة اكتسبت قوتها من بساطتها: من لم ينجز يجب ألا يكافأ بولاية جديدة، ومن فشل في تقديم الحلول يجب أن يواجه حكم الناخبين.
لقد أعاد شارية إلى النقاش معنى «التصويت العقابي»، ليس باعتباره انتقاماً سياسياً، بل كواحد من أدوات الديمقراطية التي تسمح للمواطن بقول كلمته. فالعزوف، في نظره، لا يغير شيئاً، بينما المشاركة الواعية تمنح الناخب فرصة حقيقية لتغيير موازين القوى.
وكان واضحاً أن الأمين العام للحزب المغربي الحر راهن خلال الحلقة على خطاب المواجهة، لكنه لم يسقط في الصراخ أو المزايدات. تحدث عن أزمة الطبقة المتوسطة، وعن اتساع الفوارق، وعن الخطر الذي يهدد الثقة في المؤسسات، محذراً من أن استمرار الوضع كما هو عليه قد يدفع إلى مزيد من الاحتقان والانسحاب من الشأن العام.
أما الرسالة التي جمعت الضيفين، رغم اختلاف المرجعيات والمواقف، فكانت واضحة: انتخابات 2026 لن تكون مجرد محطة عادية، بل امتحاناً حقيقياً لقدرة الأحزاب على استعادة ثقة الشارع.
غير أن شارية بدا، في هذه الحلقة، أكثر تحرراً من اللغة الحزبية التقليدية. لم يبحث عن تبرير طويل، ولم يختبئ خلف عبارات دبلوماسية، بل اختار تسمية الأشياء بأسمائها، ووضع قضايا المال والسلطة والاحتكار والمحاسبة على الطاولة.
قد يختلف المتابعون مع إسحاق شارية في بعض مواقفه أو في تصوراته السياسية، لكن يصعب إنكار أن خرجته في برنامج «رؤى ومواقف» كانت موفقة وقوية، وأنه نجح في تقديم خطاب معارض يحمل جرأة سياسية افتقدها المشهد في كثير من المناسبات.
لقد خرج شارية من الحلقة منتصراً في معركة الوضوح، بعدما اختار المكاشفة بدل التجميل، والمواجهة بدل المجاملة، والمحاسبة بدل توزيع الأعذار.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى السؤال الأكبر: هل تتحول هذه الخطابات إلى برامج قابلة للتنفيذ؟ وهل ينجح السياسيون في إعادة المواطن إلى صناديق الاقتراع بعد سنوات من تراجع الثقة؟
ذلك هو الرهان الحقيقي، أما الرسالة التي تركها إسحاق شارية في هذه الحلقة فكانت أكثر وضوحاً: حين يفقد المواطن الأمل، تصبح الهجرة صرخة، والعزوف احتجاجاً، والصندوق آخر فرصة لإعادة كتابة المشهد.
التعليقات