السبت، 15 أغسطس 2026
سياسة

بومية على صفيح ساخن.. العنف يفجّر جلسة انتخاب الرئيس

بومية على صفيح ساخن.. العنف يفجّر جلسة انتخاب الرئيس

هوسبربس-سيداتي بيدا 

كشفت الوقائع التي شهدتها قاعة الاجتماعات بجماعة بومية، وفق ما أظهرته المقاطع المتداولة، عن مشهد صادم انزلق فيه النقاش السياسي من فضاء الحوار إلى أجواء التوتر والاحتكاك الجسدي، في واقعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً حول حدود الخلاف داخل المؤسسات المنتخبة، وحول معنى أن يتحول الصراع على المسؤولية إلى معركة تتراجع فيها لغة القانون لحساب منطق القوة.

لم تكن قاعة الجماعة يفترض أن تكون سوى مكان لتبادل الرؤى ومناقشة قضايا السكان واتخاذ القرارات التي تمس حياتهم اليومية. لكن ما ظهر في المشاهد المتداولة رسم صورة مختلفة تماماً، بعدما تحولت لحظات التدافع وقلب الطاولات، وما رافقها من حديث عن تعرض مستشارة للصفع، إلى عنوان لمشهد سياسي يحتاج إلى أكثر من مجرد الاستنكار العابر.

وتزداد حساسية الواقعة مع ارتباطها بالمرشح التجمعي مروان أورير، الذي ورد اسمه في سياق الأحداث المتداولة. وهنا يصبح من الضروري التمييز بين ما أظهرته التسجيلات وما يمكن أن تثبته الجهات المختصة، لأن خطورة المشهد لا تبرر إصدار أحكام مسبقة، لكنها في الوقت نفسه تجعل فتح تحقيق مسؤول أمراً لا يحتمل التأجيل.

فالخلاف السياسي، مهما بلغت حدته، يظل محكوماً بقواعد واضحة. وعندما يغادر النقاش حدود الحجة ليدخل دائرة العنف، فإن المتضرر لا يكون الطرف المقابل وحده، بل تكون المؤسسة المنتخبة نفسها أول من يدفع الثمن. إذ كيف يمكن لمجلس جماعي أن يقنع المواطن باحترام القانون، إذا كان الخلاف بين أعضائه ينتهي داخل قاعة الاجتماعات بمنطق القوة؟

والأخطر من الواقعة ذاتها هو احتمال تحولها إلى سابقة قابلة للتكرار أو التطبيع. فالعنف داخل المؤسسات لا يصبح خطيراً فقط عندما يقع، وإنما عندما يمر دون مساءلة، أو عندما يتم التعامل معه باعتباره مجرد لحظة غضب يمكن تجاوزها بمجرد انتهاء الجلسة. عندها تصبح الرسالة أكثر قسوة: يمكن للسياسة أن تفقد قواعدها، ويمكن للصراع على المناصب أن يتجاوز كل الحدود.

وتكتسي مسألة تعرض امرأة للعنف، إذا ثبتت الواقعة، حساسية مضاعفة. فالمؤسسات المنتخبة يفترض أن تكون فضاءً يحمي الكرامة ويجسد المساواة، لا مكاناً تصبح فيه المرأة هدفاً للعنف بسبب خلاف سياسي. لذلك فإن أي اعتداء من هذا النوع يستوجب التعامل معه بجدية كاملة، بعيداً عن الانتماء الحزبي أو الحسابات الانتخابية.

كما أن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم بأن تنظر إلى الواقعة باعتبارها اختباراً حقيقياً لمصداقيتها. فالانتماء الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة سياسية، والانتخابات لا تمنح أحداً الحق في تجاوز القانون. ومن واجب التنظيمات السياسية أن تضع قواعد واضحة تمنع تحويل المؤسسات المنتخبة إلى ساحات للصراع الشخصي، وأن تجعل احترام القانون والسلوك المؤسساتي شرطاً أساسياً لتحمل المسؤولية.

إن رئاسة الجماعة ليست امتيازاً شخصياً، ولا غنيمة انتخابية، ولا مكافأة على القدرة على فرض الأمر الواقع. إنها مسؤولية ثقيلة أمام السكان والقانون، ومن يصل إليها مطالب بأن يكون أكثر الناس حرصاً على الهدوء واحترام المؤسسات، لأن صورة الرئيس تنعكس بالضرورة على صورة الجماعة التي يقودها.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس محاكمة الواقعة عبر مواقع التواصل، ولا تحويلها إلى مادة للتشهير أو تصفية الحسابات، وإنما الاحتكام إلى المؤسسات المختصة لكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات. فالقانون وحده قادر على تحديد ما حدث ومن يتحمل مسؤوليته، بعيداً عن الانفعال والاستقطاب.

لقد دفعت بومية، في هذه الواقعة، ثمن مشهد لا ينبغي أن يصبح عادياً في الحياة السياسية المحلية. فالمدينة تحتاج إلى نقاش حول التنمية والخدمات والطرق والمرافق وفرص الشباب، لا إلى معارك حول الكراسي. وتحتاج إلى منتخبين يتنافسون بالبرامج والكفاءة، لا بمن يستطيع رفع صوته أكثر أو فرض حضوره بالقوة.

وحين ترتدي الديمقراطية قفازات الملاكمة، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون هذا الطرف أو ذاك، بل المواطن الذي وضع ثقته في مؤسسة يفترض أن تكون عنواناً للعقل والمسؤولية.

فالمقاعد تُنتخب بالصندوق، لكن هيبة المؤسسات لا تُصان إلا بالقانون والأخلاق.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً