82 جثماناً مجهولاً في سبتة.. عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها
هوسبريس-سيداتي بيدا
تفتح سبتة، كل مرة، صفحة جديدة من مأساة الهجرة غير النظامية، لكن هذه المرة لا يتعلق الأمر بمن وصلوا إلى الضفة الأخرى أو بمن أعادتهم السلطات، بل بمن لم يصلوا أصلاً، وتركهم البحر خلفه جثامين مجهولة تبحث عن أسماء غابت في لحظة الموت.
تكشف المعطيات الواردة في هذا الملف عن انتشال 82 جثماناً لمهاجرين، لم تُحسم هوية سوى ستة منهم، وهي أرقام قد تبدو عادية في لغة الإدارة، لكنها في الواقع تختصر عشرات الحكايات الإنسانية التي انتهت في البحر، وعائلات ما تزال تنتظر خبراً يضع حداً لسنوات من القلق والانتظار.
فكل جثمان مجهول الهوية ليس مجرد حالة في سجل رسمي، وإنما إنسان كان يحمل اسماً وذاكرة وعائلة ووجهاً تنتظره في مكان ما. وحين يُدفن دون أن تُعرف هويته، لا تنتهي المأساة، بل تبدأ مأساة أخرى تعيشها أسرة لا تعرف إن كان ابنها قد مات أم لا يزال في مكان مجهول.
المؤلم في هذه القضية أن الموت يبدو وكأنه يتحول تدريجياً إلى إجراء إداري: جثمان يُنتشل، هوية تُبحث، قبر يُخصص، وملف يُفتح ثم يُغلق. وبين هذه الإجراءات تختفي القصة الإنسانية للضحية، ويصبح الإنسان الذي كان يحلم بحياة أفضل مجرد رقم في حصيلة مأساة تتكرر على ضفاف المتوسط.
وهنا لا يعود السؤال الحقيقي متعلقاً بعدد القبور التي تحتاجها سبتة، ولا بمساحة المقابر التي يمكن تخصيصها للجثامين، وإنما يصبح السؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً: لماذا وصل هؤلاء إلى البحر أصلاً؟ وما الذي دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم؟ ومن المسؤول عن ضمان أن يستعيد كل جثمان اسمه، وأن تصل الحقيقة إلى عائلته؟
إن حماية الحدود حق سيادي لا يمكن تجاهله، لكن السيادة لا تعني أن يفقد الإنسان كرامته بعد موته، كما أن الإجراءات الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز يمنع العائلات من معرفة مصير أبنائها. فالدولة التي تستطيع مراقبة الحدود وإنقاذ الجثامين والتحقيق في ظروف الوفاة، تستطيع أيضاً أن تبذل ما يكفي من الجهد لتحديد هويات أصحابها وإبلاغ ذويهم.
الأكثر قسوة أن تتحول المقابر إلى عنوان للنقاش، بينما يتم تجاهل أصل المأساة. فزيادة أماكن الدفن لا تعالج مشكلة الهجرة، ولا تمنع الغرق، ولا تعيد المفقودين إلى عائلاتهم، وإنما تعني في نهاية المطاف أن الدولة تستعد لاستقبال مزيد من الضحايا بدلاً من معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى المخاطرة بأرواحهم.
إن كل قبر بلا اسم يترك وراءه سؤالاً مفتوحاً، وكل جثمان مجهول يمثل فشلاً في الوصول إلى حقيقة إنسانية بسيطة: من يكون هذا الشخص؟ ومن ينتظره؟ ومن سيخبر أسرته بأنه لن يعود؟
ولهذا فإن التعامل مع جثامين المهاجرين ينبغي ألا يتوقف عند إجراءات الانتشال والدفن، بل يجب أن يشمل عمليات دقيقة لتحديد الهوية، وتوثيق المعطيات، والتنسيق مع بلدان الأصل، والبحث الجدي عن العائلات التي قد تكون أمضت سنوات وهي تبحث عن أثر لأبنائها.
فالدفن ليس نهاية المسؤولية، والقبر ليس ملفاً مغلقاً، والجثمان المجهول ليس رقماً ناقصاً في إحصائية سنوية. إنه إنسان مات، ومن حقه أن يُعرف اسمه، ومن حق عائلته أن تعرف الحقيقة، ومن حق المجتمع أن يعرف كيف ولماذا انتهت حياته في البحر.
لقد مات هؤلاء مرة حين ابتلعهم المتوسط، ولا ينبغي أن يموتوا مرة ثانية حين تُدفن أسماؤهم معهم. لأن الإنسان، حتى في موته، لا يتحول إلى رقم، والكرامة لا تنتهي عند آخر نفس، والعدالة لا تتوقف عند باب المقبرة.
قد تُغلق الملفات، وقد تُرقّم القبور، وقد تهدأ أمواج البحر، وقد تعود شواطئ سبتة إلى استقبال المصطافين، لكن المأساة ستبقى قائمة ما دام هناك جثمان مجهول وعائلة تجهل مصير ابنها.
فالمقبرة قد تستقبل الجسد، لكنها لا تستطيع أن تدفن الحقيقة.
التعليقات