سقوط الكوفية الفلسطينية يفتح نقاشاً حول احترام الرموز
هوسبريس- سيداتي بيدا
سقطت الكوفية، لكن الجدل الذي أعقب سقوطها كشف أن المسألة أكبر من قطعة قماش أفلتت من يد فنانة أمام الكاميرات. فقد تحولت اللحظة العابرة إلى مرآة عكست سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا بقي من قيمة الرموز التي حملت لعقود ذاكرة الشعوب ووجعها وهويتها، بعدما دخلت إلى عالم الصورة والاستعراض والاستهلاك السريع؟
الكوفية الفلسطينية ليست تفصيلاً من تفاصيل الأزياء، ولا زينة تُستدعى حين تحتاج الصورة إلى جرعة من الرمزية. إنها ذاكرة تمشي على الأكتاف، وتحمل في نقوشها حكاية أرض وشعب، وتختصر تاريخاً من التهجير والمقاومة والصمود. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها مجرد إكسسوار عابر يختزل رمزاً تاريخياً في وظيفة جمالية لا تليق بالمعنى الذي راكمته عبر الزمن.
ومن هنا، فإن تعليق داود الشريان لم يفتح نقاشاً حول كوفية سقطت بقدر ما فتح باباً على ظاهرة أوسع: ظاهرة تحويل الرموز إلى أدوات للاستهلاك الإعلامي. نرتدي الرمز عندما تكون الكاميرات مفتوحة، ونحتفي به عندما يخدم المشهد، ثم نترك معناه جانباً عندما تنتهي اللحظة. وهنا تكمن المفارقة؛ إذ قد تبقى الصورة حاضرة، بينما يختفي السبب الذي جعل الرمز يستحق أن يكون في الصورة أصلاً.
المشكلة الحقيقية ليست في سقوط الكوفية، وإنما في سقوط معناها. فالرموز لا تستمد قيمتها من شكلها فقط، بل من الذاكرة التي تقف خلفها. والكوفية، مثلها مثل كثير من الرموز الوطنية والثقافية، لم تولد من منصات الشهرة، بل من حياة الناس وتاريخهم وصراعاتهم وتضحياتهم. لذلك فإن اختزالها في الموضة أو الاستعراض يعني فصلها عن جذورها وتحويلها من ذاكرة حية إلى مجرد مادة للاستهلاك.
وليس من الإنصاف أيضاً أن يتحول هذا الجدل إلى حملة شخصية ضد فنانة أو مطربة. فالمطلوب ليس صناعة خصم جديد ولا توزيع الاتهامات، وإنما مساءلة الثقافة التي جعلت رموزاً عميقة قابلة للاستخدام كديكور بصري. السؤال الحقيقي يجب أن يتجه إلى الجميع: هل ما زلنا نعرف قيمة الأشياء التي نحملها، أم أننا أصبحنا نبحث عن شكلها فقط لأنها تمنح الصورة معنى إضافياً؟
لقد أصبح زمننا سريعاً إلى درجة مخيفة. صورة في ثوانٍ قد تحصد ملايين المشاهدات، بينما تحتاج ذاكرة شعب إلى أجيال حتى تُبنى. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نربي جيلاً يعرف الكوفية شكلاً، لكنه لا يعرف لماذا أصبحت رمزاً، ويعرف فلسطين كصورة متداولة، لكنه لا يعرف أنها قضية وذاكرة وحق وحكاية شعب.
والأمر لا يتوقف عند فلسطين. فكل مجتمع يملك رموزه الخاصة التي تختزن هويته في اللباس واللهجة والعادات والأغاني والتقاليد. هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة هي في الحقيقة أرشيف الشعوب غير المكتوب. وعندما تتحول إلى مجرد أزياء موسمية، فإننا لا نفقد شكلاً من أشكال التراث فقط، بل نفقد جزءاً من الذاكرة التي تمنح الإنسان إحساسه بجذوره ومكانه في هذا العالم.
لقد أصبحنا نعيش مفارقة قاسية: نرفع الرموز كثيراً، لكننا نفهمها قليلاً. نلتقط معها الصور، نكتب عنها العبارات المؤثرة، ونستعملها في المناسبات، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يكن. والحال أن حمل الرمز أسهل بكثير من حمل المسؤولية الأخلاقية والتاريخية التي يمثلها.
لهذا، فإن القضية ليست أن نحاسب من أسقط الكوفية، وإنما أن نسأل أنفسنا لماذا أصبح سقوطها قادراً على إثارة كل هذا الجدل. ربما لأنها لم تكن مجرد كوفية في وجدان الناس، وربما لأن سقوطها أعاد إلى الواجهة خوفاً أعمق من أن تتحول الرموز التي حفظت الذاكرة طويلاً إلى منتجات للاستهلاك السريع.
فلسطين ليست صورة تُلتقط، ولا شعاراً يُرفع عندما تكون الأضواء مشتعلة، ولا كوفية تُرتدى لدقائق ثم تُنسى. فلسطين ذاكرة وحق وهوية وقضية ما زالت مفتوحة في الضمير العربي والإنساني. ومن هنا فإن احترام رمزها لا يعني تقديس قطعة قماش، بل احترام المعنى الذي حملته هذه القطعة عبر أجيال.
ربما سقطت الكوفية في تلك اللحظة، لكن ما يستحق الخوف حقاً هو أن تسقط القصة التي تقف خلفها. لأن الرمز يمكن أن يُعاد ارتداؤه، والصورة يمكن أن تُلتقط من جديد، أما الذاكرة إذا سقطت، فاستعادتها تحتاج إلى أكثر من كاميرا وأكثر من شعار.
الكوفية لا تخيف حين تسقط من اليد، وإنما حين تسقط من الذاكرة. وعندما تصبح الرموز بلا ذاكرة، تتحول الأوطان نفسها إلى مجرد صور جميلة في أرشيف النسيان.
التعليقات