الجمعة، 24 يوليو 2026
ثقافة وإعلام

حين تُهان كرامة الصحافي… تُدان المؤسسات

حين تُهان كرامة الصحافي… تُدان المؤسسات

هوسبريس-سفيان الموطياف 

لا يمكن الحديث عن إعلام حر في بيئة يُعامل فيها الصحافي وكأنه ضيف غير مرغوب فيه، أو يُنظر إليه باعتباره عبئاً على المنظمين بدل أن يكون شريكاً في نقل الحقيقة. فكرامة الصحافي ليست تفصيلاً بروتوكولياً، ولا امتيازاً تمنحه إدارة أو مسؤول، بل هي أحد الشروط الأساسية لقيام صحافة مستقلة قادرة على أداء رسالتها دون خوف أو تمييز أو إقصاء.

إن أول اختبار لاحترام المؤسسات لحرية الصحافة لا يبدأ بالخطابات الرنانة، وإنما بطريقة تعاملها مع الصحافيين في الميدان. هناك تتكشف الحقيقة؛ عند بوابات الولوج، وفي مساطر الاعتماد، وفي أسلوب التواصل، وفي احترام حق الإعلامي في الوصول إلى المعلومة. فإذا غابت هذه الضمانات، سقطت كل الشعارات التي تتغنى بالانفتاح والشفافية.

وللأسف، ما زالت بعض الجهات تتعامل مع الاعتماد الإعلامي بمنطق “الامتياز”، وكأنه مكافأة تمنح لهذا وتحجب عن ذاك، بينما الأصل أنه إجراء تنظيمي يخضع للقانون ولمعايير مهنية واضحة، لا للأمزجة الشخصية ولا للحسابات الضيقة. فالتمييز بين الصحافيين لا يسيء إلى أفراد، بل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويزرع الشك في علاقة المؤسسات بالإعلام.

إن الصحافي لا يحمل كاميرا أو قلماً للدفاع عن مصالحه الخاصة، بل يحمل مسؤولية نقل الوقائع كما هي، للرأي العام الذي من حقه أن يعرف. ولذلك فإن كل تضييق على الصحافي هو تضييق على حق المواطن في المعلومة، وكل إهانة يتعرض لها الإعلامي هي في جوهرها إهانة لقيمة حرية التعبير التي يفترض أن تكون مصونة في دولة المؤسسات والقانون.

ومن الخطأ الاعتقاد أن احترام الصحافي يقتصر على حسن الاستقبال أو المجاملات الشكلية. الاحترام الحقيقي يتجسد في توفير ظروف مهنية سليمة، وإتاحة الوصول إلى المعلومة، والتعامل مع جميع المنابر على قدم المساواة، بعيداً عن المحاباة أو الإقصاء أو الانتقائية التي لا تنتج سوى فقدان الثقة وتغذية الاحتقان.

لقد أثبتت التجارب أن المؤسسات الواثقة من عملها لا تخشى الصحافة، بل تعتبرها حليفاً في ترسيخ الشفافية وتعزيز الثقة مع المجتمع. أما المؤسسات التي تضيق بالإعلام، فإنها تقدم، من حيث لا تدري، صورة سلبية عن نفسها، وتبعث برسائل مقلقة حول مدى استعدادها للخضوع للمساءلة والرأي العام.

كما أن الدفاع عن كرامة الصحافي ليس معركة نقابية ضيقة، ولا مطلباً يخص فئة مهنية بعينها، بل هو دفاع عن إحدى ركائز المجتمع الديمقراطي. فكل تراجع في حقوق الصحافيين ينعكس مباشرة على جودة الإعلام، وكل انتقاص من مكانتهم يضعف قدرة المجتمع على الوصول إلى الحقيقة.

إن الصحافة لا تطلب امتيازات، ولا تبحث عن معاملة استثنائية، وإنما تتمسك بحقوق يضمنها القانون، وباحترام يفرضه الواجب المهني. فالصحافي الذي يقف ساعات طويلة لتغطية حدث، أو ينتقل بين المدن لنقل الوقائع، أو يواجه الضغوط من أجل إيصال الحقيقة، لا ينتظر تصفيقاً، بل ينتظر أن يُعامل بما يليق برسالة يؤديها باسم المجتمع.

ولهذا، ستظل كرامة الصحافي والمراسل المعتمد خطاً أحمر لا يقبل المساومة، لأنها ليست شأناً شخصياً ولا مطلباً ظرفياً، بل هي معيار حقيقي لمدى احترام الدولة والمؤسسات لحرية الصحافة، ومقياس لنضج الممارسة الديمقراطية. وعندما تُصان كرامة الصحافي، تُصان معها الحقيقة، ويُحمى حق المواطن في إعلام حر، مستقل، ومسؤول.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً