عادل بنونة: المدينة العتيقة بتطوان تحتاج إلى رؤية جديدة لا مجرد تصميم تهيئة
بقلم: عادل بنونة
يفرض مشروع تصميم تهيئة المدينة العتيقة لتطوان، الذي شكل محور اجتماع اللجنة التقنية المحلية المنعقد بمقر عمالة إقليم تطوان يوم 29 يونيو 2026، نقاشاً يتجاوز حدود وثيقة تعميرية جديدة، ليضع الجميع أمام سؤال مصيري: كيف يمكن لمدينة تحمل صفة التراث العالمي منذ سنة 1997 أن تستعيد دورها كفضاء للحياة والإنتاج والإشعاع، لا أن تبقى مجرد معلمة تاريخية تزداد جدرانها جمالاً فيما تتراجع وظائفها يوماً بعد آخر؟
فالمدينة العتيقة ليست حجارة عتيقة أو أزقة ضيقة تحكي الماضي، بل كيان متكامل تتقاطع داخله الذاكرة الجماعية والهوية والثقافة والاقتصاد والحياة اليومية. ومن ثم، فإن أي تصور لمستقبلها ينبغي أن ينطلق من رؤية تجعل الإنسان محور التنمية، وتتعامل مع التراث باعتباره رافعة للتنمية المستدامة، وليس مجرد إرث معماري يستوجب الحماية.
ورغم الأوراش الكبرى التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية، بفضل البرنامج الملكي لإعادة التأهيل الذي رُصدت له اعتمادات مالية مهمة تجاوزت 665 مليون درهم، فإن الواقع يفرض قراءة نقدية لما تحقق. فقد استعادت العديد من المعالم رونقها، غير أن مظاهر التراجع الاجتماعي والاقتصادي ما تزال تلقي بظلالها على المدينة، بما يكشف أن ترميم البنايات وحده لا يكفي لإحياء مدينة عريقة فقدت جزءاً من حركيتها.
فالمنازل الآيلة للسقوط ما تزال تهدد سلامة السكان، فيما تتواصل هجرة عدد من الأسر والمالكين بسبب ضعف آليات المواكبة والتحفيز، في الوقت الذي أغلقت فيه مئات المحلات التجارية أبوابها داخل أحياء تاريخية كانت إلى وقت قريب القلب النابض للنشاط الاقتصادي، وهو ما أفقد المدينة جزءاً كبيراً من حيويتها.
وفي المقابل، تمددت مظاهر الفوضى داخل عدد من الفضاءات، سواء عبر احتلال الملك العام أو انتشار أنشطة تجارية لا تنسجم مع القيمة التاريخية للمكان، فضلاً عن مظاهر التلوث البصري والبيئي التي أصبحت تسيء إلى صورة مدينة يفترض أن تمثل واجهة حضارية للمغرب أمام العالم.
ولا تقف مظاهر الاختلال عند هذا الحد، إذ تعاني المدينة العتيقة خصاصاً واضحاً في خدمات القرب، من مرافق صحية وإدارية وفضاءات مخصصة للأطفال والشباب، إضافة إلى غياب عدد من الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعلها فضاءً للعبور والزيارة أكثر من كونها مجالاً صالحاً للعيش والاستقرار والاستثمار.
كما أن تراجع الحرف التقليدية، وإغلاق العديد من الحمامات والأفران والفنادق التاريخية، يعكس فقدان المدينة تدريجياً لجزء من هويتها الاقتصادية والثقافية، في ظل غياب برامج فعالة تضمن استدامة المهن التراثية وربطها بالاقتصاد الثقافي والسياحي.
وفي السياق نفسه، يثير استمرار إغلاق أو ضعف استثمار بعض الفضاءات الثقافية التي خضعت للتأهيل تساؤلات جدية حول الحكامة وآليات تدبير المشاريع بعد انتهاء أشغال الترميم، إذ لا تكتمل قيمة الاستثمار العمومي إلا حين تتحول هذه المرافق إلى فضاءات نابضة بالحياة والإبداع.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق بندرة الإمكانيات، بل بالحاجة إلى نموذج جديد للحكامة يقوم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، ويؤسس لرؤية موحدة تضمن الاستمرارية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يشكل تصميم التهيئة المقبل أداة استراتيجية لتنزيل المقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بحماية التراث، واحترام الالتزامات الدولية للمملكة، مع اعتماد مقاربة تشاركية تجعل الساكنة والمهنيين والحرفيين والمنتخبين وجمعيات المجتمع المدني شركاء فعليين في صياغة مستقبل المدينة العتيقة.
ولكي يحقق هذا المشروع أهدافه، فإن المرحلة المقبلة تستوجب إحداث هيئة مستقلة لتدبير المدينة العتيقة، وإطلاق برنامج عاجل لإنقاذ الدور المهددة بالانهيار، وتحفيز إعادة تأهيل الرياضات التاريخية، وتنظيم الأنشطة التجارية بما يحفظ جمالية الفضاء، وإعادة الاعتبار للحرف التقليدية، وتأهيل الفضاءات الثقافية، وتوفير خدمات القرب، إلى جانب فرض احترام الملك العام عبر حلول متوازنة تحفظ النظام وتصون حقوق المهنيين.
إن نجاح تصميم التهيئة لن يقاس بحجم الوثائق التقنية أو الخرائط المنجزة، بل بمدى قدرته على إعادة الحياة إلى المدينة، وإرجاع الإنسان إلى صدارة المشروع التنموي، حتى تستعيد تطوان العتيقة مكانتها فضاءً للسكن والعمل والثقافة والاستثمار.
فالمدن التاريخية لا يحفظها ترميم الأسوار وحده، وإنما يحفظها استمرار سكانها، وازدهار اقتصادها، وصون ذاكرتها، وتجدد أدوارها داخل المجتمع.
واليوم، تبدو تطوان أمام فرصة حقيقية لصناعة تحول تاريخي. فإما أن يصبح تصميم التهيئة بداية مشروع حضاري يعيد الاعتبار إلى واحدة من أجمل المدن المتوسطية، وإما أن يتحول إلى وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف الخطط المؤجلة، بينما يواصل الزمن استنزاف مدينة تستحق أن تكون نموذجاً وطنياً وعالمياً في التوفيق بين حماية التراث وتحقيق التنمية المستدامة.
التعليقات