طريق تيزنيت–الداخلة: مشروع استراتيجي بمعايير غير متساوية يثير عاصفة أسئلة حول جودة الإنجاز

سيداتي بيدا
رغم تصنيفه ضمن أكبر المشاريع الطرقية في المغرب، واعتباره أحد أعمدة الربط الاستراتيجي بين شمال المملكة وأقاليمها الجنوبية، يثير مقطع من الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، وتحديداً بين العيون والداخلة، جدلاً متصاعداً حول جودة الإنجاز وتوحيد المعايير التقنية داخل المشروع نفسه.
ففي الوقت الذي جرى فيه تقديم هذا الورش الطرقي باعتباره نقلة نوعية في البنية التحتية، تكشف المعاينة الميدانية أن جزءاً مهماً من هذا المحور، الذي يمتد لأكثر من 500 كيلومتر، ما يزال يشتغل دون تثنية، مع اعتماد توسيع محدود لا يرتقي إلى مستوى طريق سريع مكتمل المواصفات، الأمر الذي يطرح تساؤلات مباشرة حول منطق التدرج في الإنجاز ومعايير التوازن بين مختلف المقاطع.

هذا التفاوت بين الشمال والجنوب داخل نفس المشروع لم يمر دون ملاحظات، إذ برزت أصوات برلمانية، من بينها النائبة الرفعة ماء العينين، التي نبهت إلى اختلالات مرتبطة بجودة هذا المقطع، وانعكاسه على سلامة مستعملي الطريق، خصوصاً في ظل الضغط المروري المتزايد نحو الأقاليم الجنوبية ومعبر الكركرات، الذي يُعد منفذاً استراتيجياً نحو العمق الإفريقي.
على الأرض، يصف عدد من مستعملي الطريق الوضع بأنه “غير منسجم مع طبيعة المشروع”، حيث تتحول مسافات طويلة إلى مسار غير مزدوج، ما يحد من انسيابية السير ويرفع من مخاطر الحوادث، في منطقة يُفترض أن تكون رافعة لربط اقتصادي ولوجستي متقدم.
الأبعاد التقنية، رغم أهميتها، لا تبدو وحدها في قلب النقاش. فالمسألة تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى احترام مبدأ العدالة المجالية في تنفيذ المشاريع الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر ببنية تحتية يفترض أنها موحدة المعايير من طنجة إلى الكويرة.
في هذا السياق، يطرح متتبعون إشكالية جوهرية: كيف يمكن لمشروع يُقدم كأحد أعمدة التنمية الوطنية أن يُنجز بمستويات مختلفة داخل بنيته نفسها؟ وهل يتعلق الأمر بإكراهات تقنية ومالية ظرفية، أم بغياب رؤية تنفيذية صارمة تضمن التجانس بين مختلف المقاطع؟
المخاوف لا تتوقف عند البعد التقني فقط، بل تمتد إلى الأثر الاقتصادي المباشر، إذ يرتبط هذا المحور الطرقي بمشاريع استثمارية كبرى في جهة الداخلة وادي الذهب، التي يُعوّل عليها لتكون منصة لوجستية وتجارية نحو إفريقيا جنوب الصحراء. أي ضعف في جودة الربط الطرقي قد ينعكس مباشرة على جاذبية المنطقة للاستثمار.
في المحصلة، يبدو أن الطريق لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية، بل أصبح مرآة تكشف تباين الرؤى في تنزيل المشاريع الاستراتيجية على الأرض. وبين من يعتبره إنجازاً هيكلياً مهماً، ومن يراه مشروعاً غير مكتمل المعايير في بعض مقاطعه، يظل السؤال مفتوحاً حول ضرورة إعادة ضبط الإيقاع لضمان انسجام يليق بحجم الرهان.
فالطرق الكبرى لا تُقاس فقط بامتدادها الجغرافي، بل بقدرتها على تحقيق الأمان، والفعالية، وتكافؤ الجودة في كل متر منها… وإلا تحولت من شرايين تنمية إلى نقاط اختناق داخل مشروع يفترض أنه وُلد كبيراً.



اترك تعليقاً