جيوبوليتيك البترول: إفريقيا مضمار المعركة

بقلم: فريدريك مونيي
*ترجمة: عبدالواحد الأشهب (عن موقع ديبلويب Diploweb)

يبدو البترول كفرصة سانحة حقيقية لبلدان مثل غانا والكاميرون و الكوت ديفوار وأوغندا. ومع ذلك تبقى هناك عدة تحديات أمام القارة الإفريقية إذا ما أرادت التحكم في هدا المورد المطلوب، منها مسألة تدبير توزيع الريع البترولي، جعل البترول محركا أساسا للتنمية لفائدة الساكنة، تنويع الإقتصاديات لتلافي التبعية.

في نهاية القرن 19 إبان بداية الثورة الصناعية الثانية قال الكاتب ماكسيم دوكامب Maxime du Camp:” لقد أصبح البترول إلها، له نساكه وله شعائر”، وبذلك اثارالأهمية الباهرة المعطاة للذهب الأسود الذي سيصبح في ظرف بعض العقود المصدر الأساس للطاقة وفي الوقت ذاته البضاعة الأولى المروجة بالعالم، وهو الاهتمام الذي تبديه اليوم القوى العظمى تجاه افريقيا، القارة التي يبلغ مخزونها من البترول 6،7% وإنتاجها البترولي 3،9% من المجموع العالمي، ورغم تواضعهما يظلان حاسمين في زمن يسود فيه تنويع التموين وتعدد الفاعلين في هذه السوق المرغوبة. ومن بين هؤلاء اربعة مناطق/بلدان تشكل 90% من مشتريات البترول الإفريقي وهي: الإتحاد الأوربي، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين و الهند. بمنظور تلك المجموعات الكبرى وشركاتها المتعددة الجنسيات تمثل إفريقيا أهمية جيوسياسية أساسية وبخاصة بالنسبة للبلدان الأسيوية التي وردت متأخرة على السوق البترولية، وهو ما يفسر نشاطيتها الدائمة التي تتخذ شكل اتفاقيات للتعاون الإقتصادي وللدعم السياسي و العسكري الذي يبلغ حد التدخلات العسكرية التي يمكن أن تقوم بها. وبهذا الخصوص أصبحت إفريقيا في ظرف جيل مضمارا حقيقيا للمعركة.

I-جيوبولتيك البترول الإفريقي: عناصر المجال

إفريقيا.. “القادم الجديد- القديم ” إلى ميدان البترول
افريقيا ليست هي الخليج الفارسي الذي أسست فيه سنة 1909 الشركة الإنجليزية- الفارسية Anglo-Persian Oil Company (APOC)، إثر اكتشاف المحروقات في إيران. ففي إفريقيا تمت اكتشافات البترول الخام الأولى في الخمسينيات من القرن الماضي بكل من الجزائر والغابون و الكونغو وانغولا، وفي الستينيات بكل من نيجيريا في دلتا النيجر و بليبيا. ولهذا يبقى فعلا استغلال البترول في إفريقيا حديثا نسبيا بالمقارنة مع المناطق الأخرى المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية و الفضاء الروسي و الشرق الأوسط. وبالفعل لم تعد إفريقيا بحق قارة مصدرة للبترول سوى انطلاقا من الصدمة البترولية لسنة 1973 حيث اصبحت منافسة لمنطقة الشرق الأوسط، ولم تبدأ بها الإكتشافات البترولية خارج البحر سوى في الثمانينيات. هناك منطقتان يتركز فيهما الكم الأكبر من مصادروخام البترول الإفريقي، فمن جهة هناك خليج غينيا عن طريق منتج رئيس هو نيجيريا مع منتجين آخرين هامين بخاصة أنغولا و غانا و الكونغو و الغابون و غينيا الإستوائية، هذه الأخيرة التي تعتبر منتجا حديث العهد ولكن في نمو متصاعد، وهناك من جهة ثانية إفريقيا الشمالية التي تضم عملاقين بتروليين هما الجزائر و ليبيا و بثقل متوسط مصرالتي تعتبر استراتيجية من حيث نقل البترول عبر قناة السويس. وأخيرا هناك بلدان مثل تشاد والسودان وتونس )بقدر أقل ( تمتلك هذه الثروة.

*إفريقيا.. حقل متواضع للبترول ولكنه استراتيجي

باعتبارها منتجا متواضعا شكلت إفريقيا سنة 2000 نسبة 6% من المخزون العالمي، وتمثل حاليا 6،7% من هذا المخزون و ما يفوق قليلا 9% من الإنتاج العالمي. وإذا كان ثقلها على مستوى الإنتاج العالمي يبدو ثانويا فإن الأمر عكس ذلك على المستوى الإستراتيجي، ذلك أنه منذ 2010 حوالي ثلت استكشافات الحقول البترولية الجديدة تم في إفريقيا،الشيء الذي جعل مكتب الدراسات PwC يقول أن القارة السمراء أصبحت فاعلا بقامة عالمية، وهذا لكون البترول الإفريقي مهما من عدة نواح: أنه بجودة حسنة، أن تكاليف استغلاله ذات تنافسية، كما أنه يوجه بشكل واسع إلى التصدير )بنسبة 90% تقريبا( في قارة تستهلك منه في الوقت الراهن كمية قليلة.

*القوى العظمى وإفريقيا

منذ 15 إلى 20 سنة هناك ترابطية جيدة تفسر التهافت على البترول الإفريقي، فقد مكن انتهاء عقود الفوضى والعودة النسبية إلى الإستقرارمن اكتشاف أو استغلال، او هما معا، العديد من حقول المحروقات، وهكذا اصبحت تشاد سنة 2003 منتجة من خلال حقل دوبا، وموريتانيا سنة 2006 من خلال حقل شنقيطي البحري، وغانا سنة 2010 من خلال حقل جوبيلي البحري، والنيجر سنة 2011 من خلال حقل أكاديم. وتشكل الحقول البترولية البحرية الإفريقية قرابة ثلث الحقول البترولية العالمية التي تم اكتشافها. وأخيرا شهد الطلب تطورا، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية وكبريات الدول الصاعدة كالصين و بقدر اقل الهند على البحث عن الطاقة من اجل ضمان نموها، وهناك بعض البلدان تبعيتها للبترول الإفريقي كبيرة ، مثل فرنسا التي تستورد 4،36% من حاجياتها البترولية من إفريقيا، مقابل 20% من حاجيات الولايات المتحدة الأمريكية و30% من حاجيات الصين و 20% من حاجيات الهند. وفي ما يخص البلدان الإفريقية لاتقل تبعيتها للمؤونة البترولية التي تبلغ في الجزائر 40% من ميزانية الدولة و في نيجيريا 70% من الميزانية.

II. إفريقيا .. رهان بترولي يأخذ شكل مضمار معركة بين القوى العظمى الخارجية للولوج إلى البترول

تستفيد فرنسا من تجدر تاريخي بإفريقيا عن طريق شركة الدولة “إلف” Elf ، التي خدمت بجد المصالح الفرنسية حول البترول الإفريقي، إلى حد أن الرئيس المدير العام لهذه الشركة في الفترة ما بين 1989 و 1993، Loïk Le Floch Prigent صرح بأنه ” لا شيء يحدث في البلدان البترولية، وبخاصة في إفريقيا، عندما لا يكون مصدرها إلف”. وهكذا استفادت هذه الشركة من امتياز استغلال البترول بالأخص بالغابون و الكونغو والكامرون. صحيح أن ” فرنسا إفريقيا” لم يعد لها وجود، كما صرح بذلك “كريستوف دو مارجوري” سنة 2000، ولكن تبقى منها أن شركة”طوطال” استرجعت كل مكاسب “إلف” في القارة السمراء التي تشكل 30% من إنتاجها، وفي أكثر من منظور مصالح”إلف” و”طوطال” تتلاقى، يدل على ذلك الإطراء الذي أعرب عنه الوزير الأول الفرنسي آنذاك مانويل فالس عند تأبين “كريستوفر دو مارجوري” الذي توفي في أكتوبر 2014، حيث حيى فالس رحيل ” قبطان كبيرللصناعة و وطني”.

بمنظور فرنسا تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية قادما جديدا للسوق الإفريقية. منذ صدمة 1973 بحثت الولايات المتحدة الأمريكية عن تنويع مصادرها البترولية من اجل التخفيف من تبعيتها لبترول الخليج الفارسي. ومن وجهة النظر هذه ساهمت اتفاقيات “أكوا” الموقعة سنة 2000 تحت رئاسة بيل كلنتون في بناء استراتيجية شاملة للتوطين بإفريقيا. هذا القانون المصادق عليه سنة 2000 تم تجديده من طرف الرئيس باراك أوباما في يونيه 2015 ليبقى نافذا لمدة عشر سنوات، وهو يمكن أربعين بلدا إفريقيا من جنوب الصحراء من الإستفادة من ولوج أفضل للسوق الامريكية بالنسبة لبعض منتوجاتها وبخاصة النسيج ، عن طريق إعفائها من الرسوم الجمركية ، وهذا مقابل ولوج واسع للموارد البترولية وبخاصة في خليج غينيا. وقد اصبحت الصين أول مصدر وأول مستثمر بالقارة الإفريقية.

في ما يخص الصين عملت على تنمية “دبلوماسية الموارد”، وهي التي أصبحت منذ 2010 أول مستهلك للطاقة في العالم، وتتوزع هذه الدبلوماسية بين القروض و الإعفاء من الديون و تشييد البنيات التحتية كمقابل لامتياز ولوج شركاتها للمواد الأولية الإفريقية . وقد انطلق هذا التعاون انطلاقته الحقيقية سنة 2000 مع تشكيل ” ملتقى التعاون الصيني- الإفريقي”. وهكذا وفي سنة 2004، قام الرئيس “هو جينتاو” بجولة هامة في كل من مصر و الجزائر و الغابون. ففي لبروفيل وقع مع عمر بانغو على اتفاقية لاستكشاف واستغلال البترول، معززة بضمان شراء الصين لكمية هائلة من البترول في سنة 2004، وكذا بقرض بعدة ملايين الدولارات. وقد اصبحت الصين في ظرف بضع سنوات الزبون الثالث للبترول الغابوني بعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا، هذا فضلا عن شراء كميات كبيرة من الخشب. سنوات بعد ذلك قامت الشركة الصينية Sinopec بشراء ADDAX، الفاعل البترولي بالغابون. وبصفة عامة أصبحت الصين أول مصدر وأول مستثمر في القارة الإفريقية.

*ما بين الشركات البترولية و الدول الإفريقية

يفسر حضور العديد من الشركات الأجنبية في إفريقيا بالحاجات المتزايدة من البترول. وتدخل هذه الشركات المتعددة الجنسيات في صراع بدون هوادة بين الفاعلين التاريخيين والفاعلين الجدد. ولنأخد مثلا جمهورية الكونغو ، رابع مصدر بجنوب الصحراء، فاستغلال بترولها ابتدأ سنة 1957 مع مجموعة “إلف” التي كانت صاحبة الإمتياز، ولكن الأمور تغيرت كثيرا منذ ذلك الحين، فحاليا تعتبر المجموعة الإيطالية ENI الفاعل الأول في البلد، تنضاف إليها شركات أمريكية كبرى من مثيلات Chevron و Exxon Mobil،وكذا شركات صينية مثل CNOOC. ولكن المهم الذي ينم عن توجه جديد هو قدوم شركات صغرى تزعج الكبرى، ففي الكونغو هناك Murphy Oil التي هي فاعل أمريكي مستقل.

ولكن التنافس لا يهم فقط الشركات الكبرى الأجنبية. مثال الغابون مهم، ففي بداية سنة 2010 أسست الحكومة الغابونية الشركة الوطنية للبترول المسماة GOC (Gabon Oil Company) التي أوكلت لها مهمة النهوض بمساهمات الدولة في القطاع البترولي. وترتبط شركة GOC مباشرة برئاسة الدولة وتحت وصاية المديرية العامة للمحروقات، وتهدف إلى بسط اليد على الإمتيازات الممنوحة لشركات أجنبية ، كما تدل على ذلك المنازعة التي نشبت سنة 2013 حول حقل النفط “أوبانكي”،فهذا الحقل كانت تديره منذ سنة 1996 شركة ADDAX التي اشترتها سنة 2009 المجموعة الصينية SINOPEC، فقررت الحكومة الغابونية سنة 2013 عدم تجديد الإمتياز الممنوح ل ADDAX بدعوى عدم تسديد الرسوم على الخصوص. وأدى هذا الفصل من النزاع إلى اندلاع عملية لي الذراع بين الدولة الغابونية و ADDAX مع تواجد في الخلفية طبعا للدولة الصينية. وأخيرا توصل الطرفان إلى اتفاق سنة 2014 تم بموجبه احتفاظ ADDAX باستغلال حقل أوبانكي مقابل أداء تعويض تصالحي.

*البترول يتحول أحيانا إلى مضمار للمعركة

إذا كان البترول لا يفسر لوحده بعض الصراعات الإفريقية، فإنه يبدو كأحد المكونات التي تفسر نشاطية القوى العظمى في القارة الإفريقية. وتقدم ليبيا مثالا آخر. فقبل سقوط القذافي كان هناك العديد من المجموعات البترولية الكبرى حاضرة في ليبيا، فبالإضافة للشركة الوطنية (NOC, National Oil Corporation) ، كانت هناك الشركة الفرنسية طوطال و البريطانية BP والإيطالية ENI والأنكلوهولاندية شال، والروسية Gazprom و الصينية CNPC. وفي سنة 2011، عندما بدأت ترتسم معالم تدخل غربي أممي في إطار حلف شمال الأطلسي ) الناتو(، أعلن المجلس الوطني الإنتقالي عن أنه في حال وقوع تدخل سيمنح طوطال 35% من البترول الليبي عوض حصة 2% السابقة. ورغم أن إنتاج البترول الخام عرف إذاك تدنيا كبيرا فإن طوطال ظلت صاحبة أول رخصة لاستغلال البترول الليبي، فيما شركة BP استأنفت نشاط الحفريات واستغلال البترول بليبيا. أما مصلحة فرنسا في التدخل فكانت، علاوة عن مسألة حقوق الإنسان، واضحة ، ذلك أن ليبيا هي المصدر الرابع للبترول بالنسبة لفرنسا بعد بحر الشمال ب16%، والشرق الأوسط ب17%، وروسيا ب 32%، وقبل السعودية.

III. إفريقيا وبترولها: من مضمار معركة إلى رافعة للتنمية؟

*مضمار المعركة الإفريقي في مواجهة لعنة المواد الأولية

تكمن الإشكالية برمتها في معرفة هل بمقدور البترول أن يصبح رافعة للتنمية بالنسبة لإفريقيا؟. لحد تلك الساعة كان “لعنة” بالنسبة للبلدان المصدرة، وهي عبارة مستعارة من ريشار أوتي Richard Autyومؤلفه
(Resource-Based Industrialization : Sowing the Oil in Eight Developing Countries, 1990)
وقد أشار”جان ماري شوفاليي”، الأستاذ في باريس- دوفين و المتخصص في قضايا الطاقة، سنة 2008، إلى أن ” الذهب الأسود أحدث انقلابا في بنية اقتصاديات إفريقيا و أعاق تنمية أنشطة تصديرية أخرى وغدى سلوكيات المحسوبية والرشوة والبيروقراطية، بدون أن يفيد الساكنة بشكل حقيقي” .
إنها آثار سيئة مرتبطة بهذا المورد الإستراتيجي الذي يمثله البترول الإفريقي. بصفة عامة بإفريقيا تعتبرالساكنة في الغالب أكبر متخلى عنه لفائدة النمو. والمثال الضارب في هذا الصدد هو نيجيريا، التي تعتبرمع حوالي مليوني برميل في اليوم أول منتج للبترول الخام بالقارة والحادي عشر على المستوى العالمي. ومع ذلك فهي تحتل عالميا المرتبة 153 في مؤشر التنمية البشرية، بعد تانزانيا التي تصدر قبل كل شيء الذهب ومنتوجات فلاحية. بل منتهى التناقض أن نيجيريا تستورد 70% من حاجياتها من البترول المصفى !.

*البترول: رافعة نمو ذات مخاطر بالنسبة لبعض البلدان الإفريقية
البترول يمكن بالطبع أن يصبح قاطرة للتنمية. في أنغولا،مثلا، مهد استغلال البترول للطفرة الإقتصادية السريعة للبلاد التي اصبحت ثاني منتج للبترول بعد نيجيريا، وذلك بانتاج يومي يبلغ 1،6 مليون برميلا. ويشكل فيه الريع البترولي 50% من الناتج الداخلي الخام . وقد حققت أنغولا سنة 2014 نموا نسبته 4،5%، وبذلك أصبحت القوة الإقتصادية الإفريقية الخامسة تجذب كبريات الشركات الأجنبية مثل طوطال التي تستخرج 40% من البترول الأنغولي والتي وقعت مع الشركة البترولية الأنغولية Sonangol اتفاقية تهم فتح محطات وقود بأنغولا. وحسب تقرير أصدرته الوكالة الدولية للطاقة في أكتوبر 2014 فإن “أنغولا يمكنها أن تحتل سنة 2016 المرتبة التي تحتلها نيجيريا كأول منتج للبترول بإفريقيا وأن تحتفظ بالصدارة إلى غاية سنة 2020”.
أما بالنسبة للنيجر، التي تعتبر استراتيجية بفضل الأورانيوم، فإنها التحقت حديثا بنادي الدول الإفريقية المنتجة للبترول ، بعد فتح مصفاة “أكاديم”، سنة 2011، التي تمتلك شركة الدولة 40% من رأسمالها ، فيما تمتلك الشركة الصينية CNPC 60% منه. أكيد أن إنتاجها اليوم يقل مائة مرة عن إنتاج جارتها نيجيريا، ولكنه يسر معدل نمو قويا نسبته 7% سنة 2014، تعول عليه الدولة في بناء سياسة تنموية.
إن الوضعية الحالية للإنخفاض الباهر لسعر البرميل من البترول تشكل خطرا كبيرا على إفريقيا المصدرة للبترول الخام.و لكن هده “الخوارق” تخضع لسعر المواد الأولية.
بالفعل انخفاض الأسعار، من أكثر من 100 دولار في صيف 2014 إلى أقل من 40 دولار في بداية 2016، كانت له آثار كارثية. ففي نيجيريا انخفضت عائدات بيع البترول بالثلثين في الفترة ما بين شتنبر 2014 و يوليوز 2015. وشهدت أنغولا نفس الوضعية. وقد اتصل هذان العملاقان المصدران بالبنك العالمي لتغطية عجز ميزانيتهما، كما أعرب صندوق النقد الدولي عن جاهزيته لمساعدتهما. وفي فبراير 2016 نزل الخبر بأن الجزائر ستسجل عجزا في ميزانيتها نسبته 11%. ووراء هذه المشاكل الإقتصادية الخطيرة برزت مخاطر سياسية، حيث أن الدول المفقرة والشركات المهششة شكلت ظروفا يمكن ان تؤدي إلى نشوب ثورات وإلى اختلال الإستقرار في مناطق مهددة بخطر التطرف الإسلامي.

*التوقف عن التحول إلى مضمار معركة، وترويض الشهاوى الجيوبولتيكية للقوى العظمى

يكمن رهان الدول الإفريقية المنتجة للبترول في العثور على سبل تنمية شاملة، تفيد الإقتصاد وأيضا وبخاصة الساكنة، وبالتالي يتوجب رفع العديد من الرهون و مواجهة الرشوة ، كما وعد بذلك رئيس نيجيريا بوهاري، ولكن كذلك السعي وراء الحصول على أفضل الشروط لاستغلال الذهب الأسود. إنه السبيل الذي تسلكه حاليا غانا، هذه الأخيرة باعتبارها بلدا منتجا صغيرا للبترول منذ الثمانينيات من القرن الماضي، غيرت وجهها منذ 2007 مع اكتشاف حقل “جوبيلي” من طرف الشركة البترولية البريطانية Tullow Oil. فهذا الحقل البترولي هو بلا جدال إحدى كبريات الإكتشافات في السنوات الأخيرة بإفريقيا جنوب الصحراء، حتى أن مدينة “طاكورادي” التي يتواجد بها هذا الحقل لقبت ب”مدينة النفط”.
سعت غانا إلى تنمية استراتيجية فريدة من نوعها، بغية تلافي التبعية للقوى العظمى و أن تكون سيدة مواردها البترولية. فقد قننت شركتها الوطنية (GNPC)المؤسسة سنة 1983 استغلال الحقول البترولية عن طريق تقسيمها إلى كتل ، وقد باعت عقود استغلال إلى شركاء أجانب هم عبارة عن مقاولات صغرى وليسوا شركات عملاقة، كما هو الشأن بالنسبة للشركة البريطانية Tullow Oil والأمريكية Kosmos Energy والألمانية Vitol…وهذه الرخص لم تؤمن لأكرا فقط رسوما مهمة بل كذلك مناصب شغل للساكنة المحلية. إنها استراتيجية ذكية تحمي الدولة من أن تسقط ضحية للأضرار المعتادة المرتبطة بنهب البترول.

* أي أفق للبترول الإفريقي؟

 غانا ليست بالمثال الوحيد للنجاحات الإفريقية، فحاليا يبرز البترول كنعمة حقيقية بالنسبة لبلدان مثل الكاميرون، الكوت ديفوار وأوغندا. ومع ذلك مازالت هناك عدة تحديات أمام قارة الذهب الأسود، منها تدبير قسمة الريع البترولي، تحويل البترول إلى محرك للتنمية لفائدة ساكنتها، تنويع اقتصادياتها لتلافي التبعية. إنها تحديات يجب أن تواجهها إفريقيا إذا ما أرادت التحكم في هذا المورد المرغوب. وبلا شك أن الطريق أمامها مازالت طويلة . فمع انهيار أسعار البترول الخام منذ سنة 2015، عرفت اقتصاديات إفريقية مثل الإقتصاد الجزائري اختلالات كبيرة.

وهكذا وكما أشار إلى ذلك الأستاذ جان ديدييه بوكونغو، منسق التحرير بمجلة Géopolitique africaine، “لقد كان البترول أكبر هم جيوبولتيكي في سنة 2015″، فهو ينذر بمستقبل غير زاهر إزاء تقلبات السعر. ويضيف أن” انعدام الإستقرار في الساحة الدولية الذي تجسده اسعار البترول لا يمكن ان يكون سوى سلبي بالنسبة لبزوغ إفريقيا. كما أن الإنعكاس الإيجابي لانخفاض أسعار البرميل من النفط على البلدان الإفريقية المستوردة للبترول ليس سوى خدعة بالنسبة لاستقرار القارة و لاندماجها الإقتصادي.” ويبقى التساؤل حول ما إذا كانت إفريقيا قادرة على إعادة اكتشاف ذاتها عن طريق استراتيجيات مبتكرة من أجل الإستفادة الكاملة من الأطماع الأجنبية.

اترك تعليقاً