قراءة في مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية 12
بقلم اسماعيل اكنكو
ألقى صاحب الجلالة الملك محمد السادس خطابا أمام ممثلي الأمة بالبرلمان في إطار مقتضيات الفصل 65 من الدستور ، وبالرجوع إلى متن الخطاب يلاحظ بداية أنه يتجاوز مجرد تحديد أولويات العمل الحكومي والتشريعي، ليشكل تصورا سياسيا ومؤسساتيا للمرحلة المقبلة، يقوم على الربط بين استمرارية الاختيارات الاستراتيجية للدولة، وتسريع وتيرة الإصلاح، وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والجهات، وتعزيز مكانة المغرب في محيطه الدولي.
وبناء عليه يمكن قراءة الخطاب من خلال ست عناصر أساسية متكاملة:
1: الاعتزاز الوطني باعتباره مدخلا للشرعية والمسؤولية
احتل الاعتزاز بالهوية الوطنية موقعا مركزيا في الخطاب الملكي، من خلال استحضار عمق الدولة المغربية، واستمرارية المؤسسة الملكية، والهوية الدينية والحضارية المتعددة المكونات، إلى جانب المكاسب السياسية والدبلوماسية والتنموية.
غير أن الدلالة السياسية الأبرز تكمن في انتقال الخطاب من الاعتزاز بالوطن باعتباره شعورا بالانتماء، إلى اعتباره التزاما عمليا تجاه الدولة والمجتمع. فالانتماء، وفق هذا التصور، لا يكتسب قيمته من التعبير الرمزي وحده، بل من القدرة على تحويله إلى مسؤولية ومساهمة في البناء الوطني.
ومن منظور العلوم السياسية، يعكس هذا التوجه تصورا للهوية الوطنية باعتبارها أحد مرتكزات الشرعية السياسية والتماسك المجتمعي. كما أن استحضار التعدد الحضاري يبرز أن وحدة الدولة لا تستلزم محو التنوع، بل تستند إلى تأطيره ضمن هوية وطنية جامعة.
ومن منظور القانون الدستوري، فإن استحضار إمارة المؤمنين والمؤسسة الملكية يندرج ضمن إبراز الخصوصية التاريخية والدستورية للنظام السياسي المغربي.
2: الانتقال من تدبير المكتسبات إلى بناء نموذج تنموي أكثر نجاعة
لقد دعا الخطاب الملكي إلى استثمار الظرفية الراهنة لتسريع المشاريع القائمة وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاحتياطات الاستراتيجية.
ويكشف هذا التوجه عن تحول في منطق التدخل العمومي، من التركيز على إنجاز المشاريع القطاعية إلى بناء قدرة وطنية على مواجهة المخاطر والتحولات الاقتصادية والجيوسياسية.
فالأمن المائي والطاقي والغذائي لم يعد مجرد موضوع من مواضيع التنمية، بل أصبح عنصرا من عناصر السيادة الوطنية. كما أن الاستثمار في الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي يرتبط بتقليص التبعية للخارج، وتعزيز القدرة التنافسية، وتوفير فرص الشغل.
وفي اعتقادي ومن زاوية السياسات العمومية، يطرح هذا التوجه تحديين أساسيين:
– تحدي الانسجام الاستراتيجي: ضمان التكامل بين الاستراتيجيات القطاعية، بدل تعدد البرامج وتداخل الاختصاصات وضعف التنسيق بينها.
– تحدي التنفيذ والتقييم: الانتقال من إعلان الأهداف إلى تحديد المسؤوليات والموارد والآجال ومؤشرات قياس النتائج والأثر الاجتماعي والمجالي.
وفي هذا السياق، فإن الدعوة إلى جعل القطاع الخاص فاعلا استراتيجيا تعكس توجها نحو توسيع مساهمته في الاستثمار والتشغيل والتصدير. غير أن نجاح هذا الاختيار يظل رهينا بوجود بيئة قانونية مستقرة، ومنافسة نزيهة، وإدارة فعالة، وآليات للتمويل والمراقبة تحول دون تركيز المنافع الاقتصادية في فئات أو مجالات محدودة.
وبالتالي، فإن الرهان لا يتعلق فقط برفع حجم الاستثمار، بل بمدى قدرته على إنتاج قيمة مضافة وطنية، وتوفير شغل مستقر، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
3: الشباب والعدالة الاجتماعية باعتبارهما معيارين لنجاعة الدولة
يضع الخطاب الملكي قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، باعتبارهم ركيزة أساسية للتنمية وبناء المستقبل، من خلال ضمان تكافؤ الفرص، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتعزيز الإدماج الاقتصادي وتوفير فرص الشغل. كما يؤكد أهمية الحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وتوسيع إمكانات الارتقاء الاجتماعي على أساس الكفاءة والاستحقاق. ومن هذا المنطلق، تقاس نجاعة الدولة بمدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات الشباب وتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الكرامة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين.
4. إصلاح اختلالات الجهوية نحو تنمية ترابية مندمجة كرهان مرحلي مستعجل
اكد الخطاب الملكي على ضرورة معالجة اختلالات الجهوية من خلال تقليص الفوارق بين الجهات وضمان توزيع عادل للموارد والاستثمارات، بما يحقق تنمية ترابية متوازنة. كما يشدد على تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وتوضيح الاختصاصات والصلاحيات الممنوحة للجهات، مع توفير الإمكانيات المالية والبشرية اللازمة لتمكينها من تدبير شؤونها بفعالية. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين الخدمات العمومية، وتسريع إنجاز المشاريع التنموية، وتعزيز العدالة المجالية، بما يستجيب لحاجيات المواطنين ويحقق تنمية مندمجة ومستدامة.
5 . رسالة إلى الداخل الإسباني: أزمة “سبتة”
حمل الخطاب الملكي رسالة سياسية واضحة إلى الداخل الإسباني، مفادها رفض توظيف أزمة سبتة وملف الهجرة في الصراعات الحزبية والمزايدات الإعلامية، أو استخدامهما وسيلة للضغط على المغرب. كما يؤكد ضرورة بناء الشراكة المغربية الإسبانية على أساس الندية واحترام السيادة والمصالح المتبادلة، مع مراجعة آليات التعاون في مجال الهجرة وتحديد المسؤوليات بشكل واضح. وفي هذا السياق، يدعو الخطاب إلى تجاوز التدبير الظرفي للأزمات نحو رؤية استراتيجية مشتركة تعزز التعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، بما يضمن استمرار العلاقات الثنائية بعيدا عن منطق الضغط والابتزاز، وفي إطار الاحترام المتبادل والالتزامات المشتركة.
6. وضع البرلمانيين أمام مسؤولياتهم التاريخية
كعادة جلالة الملك أوصى البرلمانيين بضرورة تحمل مسؤوليتهم كاملة أمام الله والتاريخ والمواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم بما يعنيه ذلك من النهوض بمهامهم كاملة بدون تقصير.
إسماعيل اكنكو
دكتور في العلوم القانونية والسياسية
التعليقات