الثلاثاء، 23 يونيو 2026
تربوية

تطوان تستضيف ندوة دولية رفيعة حول القضاء الدستوري وتحولاته في الفضاء العام

تطوان تستضيف ندوة دولية رفيعة حول القضاء الدستوري وتحولاته في الفضاء العام

هوسبريس-خالد غوتي 

في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات السياسية والقانونية، وتنامي التداخل بين الأنظمة الدستورية، وتزايد مطالب الشفافية وتعزيز الثقة في المؤسسات، يبرز القضاء الدستوري اليوم باعتباره أحد أهم ركائز دولة القانون، وأحد الفاعلين المركزيين في ضبط التوازن بين السلط وضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية.

غير أن هذا الدور لم يعد يُمارس داخل حدود تقليدية مغلقة، بل أصبح محكوماً بإكراهات جديدة فرضتها دينامية الفضاء العام المعاصر، وتطور وسائل التواصل المؤسساتي، واتساع شبكات الحوار القضائي المقارن، بما يجعل المحكمة الدستورية فاعلاً حاضراً في النقاش العمومي، لا مجرد سلطة قانونية صامتة.

في هذا السياق، تحتضن كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، بشراكة مع المفوضية الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون (لجنة البندقية)، ندوة دولية كبرى حول المحاكم الدستورية، بمشاركة قضاة دستوريين وخبراء وأساتذة جامعيين من مختلف الدول، في لقاء يروم إعادة التفكير في موقع القضاء الدستوري داخل التحولات الراهنة.

وتقوم هذه الندوة على مقاربة علمية مقارنة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين التحليل القانوني والتأمل المؤسساتي والنقاش الأكاديمي، بهدف استكشاف التحولات التي تطال وظيفة القضاء الدستوري، وإعادة مساءلة أدواته التقليدية في ظل صعود متطلبات جديدة مرتبطة بالتواصل، والحوار بين المحاكم، وتنامي الدور التفسيري للقضاء الدستوري داخل المجتمع.

ويُرتقب أن يشكل هذا اللقاء فضاءً مفتوحاً لتبادل الخبرات بين تجارب دستورية متنوعة، من أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، بما يسمح بتقاطع الرؤى حول سبل تطوير أداء المحاكم الدستورية وتعزيز نجاعتها، دون الإخلال باستقلاليتها أو المساس بجوهر وظيفتها الرقابية.

برنامج الندوة: مقاربة علمية متعددة المستويات

ينطلق برنامج الندوة صباح الإثنين 29 يونيو 2026 بجلسة افتتاحية يشارك فيها مسؤولون قضائيون وأكاديميون بارزون، من بينهم رئيس جامعة عبد المالك السعدي، ورئيس المحكمة الدستورية بالمملكة المغربية، وممثلو لجنة البندقية، إلى جانب كلمات مؤسساتية تؤطر هذا اللقاء الدولي.

وتُفتتح الأشغال بمحاضرة علمية رفيعة للأستاذة نادية برنوسي، التي تناقش إشكالية استقلالية القاضي بين مقتضيات القانون وضغوط الفعل السياسي، في مقاربة تعكس التوتر الدائم بين الشرعية الدستورية وسياقات الممارسة.

ويُخصص اليوم الأول للجلسة الأولى التي تناقش دور المحاكم الدستورية في حماية دولة القانون وتوازن السلط، من خلال إشكالات الرقابة على دستورية القوانين وحدود تدخل القضاء الدستوري، وصولاً إلى السؤال الجوهري حول إمكانية قيام دولة قانون دون عدالة دستورية. وهي جلسة تُغنيها مداخلات أكاديمية مقارنة من فرنسا وتونس والمغرب، تُعيد مساءلة البنية النظرية للعدالة الدستورية في بعدها الكوني.

أما الجلسة الثانية، فتنفتح على أفق جديد في التفكير الدستوري، عبر مفهوم “الدستورية العلاقاتية”، حيث يتم تناول تفاعل المحاكم الدستورية في ما بينها عبر شبكات عابرة للحدود، ودور الاجتهاد القضائي في إنتاج المعايير الدستورية وتداولها. كما تناقش الجلسة أهمية تعليل الأحكام القضائية كآلية للتأطير والتثقيف الدستوري، إلى جانب استحضار تجارب مقارنة من إيطاليا وإسبانيا والمغرب، بما يعكس تداخلاً وظيفياً بين الاستقلال المؤسسي والتكامل القضائي.

ويُختتم اليوم الأول بنقاش تفاعلي موسع، يفتح المجال أمام تعميق الإشكالات المطروحة قبل الانتقال إلى اليوم الثاني.

في صباح الثلاثاء 30 يونيو 2026، تُخصص الجلسة الثالثة لموضوع ترسيخ المحاكم الدستورية في الفضاء العام، من خلال محور يجمع بين التواصل المؤسساتي والتربية الدستورية والحوار مع المجتمع المدني. وتتناول المداخلات إشكالية حضور القاضي الدستوري بين واجب التحفظ ومتطلبات الشفافية، إلى جانب مقارنة تجارب متعددة من مصر ولبنان وفرنسا والمغرب، مع التركيز على عالمية القيم الدستورية في ظل التحولات المعاصرة.

وتُختتم أشغال الندوة بجلسة ختامية تتضمن عرضاً شاملاً لأهم الخلاصات، وطاولة مستديرة لتجميع نتائج النقاشات العلمية، قبل اعتماد التوصيات النهائية، في لحظة تركيبية تجمع بين التقييم والاستشراف.

هكذا، لا تبدو ندوة تطوان مجرد حدث أكاديمي عابر، بل محطة علمية رفيعة تعيد طرح سؤال القضاء الدستوري في زمن التحولات الكبرى، وتفتح أفقاً جديداً لإعادة التفكير في موقعه داخل الدولة والمجتمع، بين سلطة النص الدستوري ودينامية الفضاء العام المتحول.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً