هيئة المتقاعدين تدخل عامها الخامس: من كسر الصمت إلى اختبار التأثير

هوسبريس_حسن برهون
تدخل هيئة المتقاعدين المغاربة مرحلة جديدة من مسارها التنظيمي، محمّلة بأسئلة عميقة تتجاوز منطق الاحتفاء الزمني، لتلامس جوهر الفعل والجدوى داخل ملف ظل لسنوات طويلة في هامش الاهتمام العمومي.
فبعد أربع سنوات على التأسيس، وسنة على انعقاد أول مؤتمر وطني، لم يعد الرهان في إثبات الحضور، بل في تحويل هذا الحضور إلى قوة اقتراح قادرة على التأثير في السياسات العمومية المرتبطة بفئة المتقاعدين، التي عانت طويلاً من التهميش والصمت المؤسساتي.

وشكّل المؤتمر الوطني الأول محطة مفصلية، ليس باعتباره تتويجاً لمسار مكتمل، بل كإعلان صريح عن كسر حالة الصمت التي أحاطت بهذا الملف، وفتح الباب أمام إدراجه ضمن دائرة النقاش العمومي. ومنذ ذلك الحين، اختارت الهيئة الاشتغال بمنطق التراكم الهادئ، بعيداً عن الضجيج، في محاولة لترسيخ موقعها كفاعل جدي داخل هذا الورش الاجتماعي.
وخلال هذه المرحلة، لم ينحصر العمل في إعادة ترتيب الهياكل التنظيمية، بل امتد إلى بلورة رؤية جديدة لدور التنظيم، قائمة على الانتقال من رمزية التأسيس إلى واقعية الفعل، عبر تطوير آليات الاشتغال وصياغة برنامج مرحلي يواكب تحديات المرحلة.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ ملف المتقاعدين يستعيد حضوره تدريجياً داخل النقاش العمومي، سواء عبر البرلمان أو وسائل الإعلام أو حتى في بعض الخطابات الرسمية. حضور لا يزال محدود الأثر على مستوى القرار، لكنه يعكس تحولاً مهماً في طبيعة التعاطي مع القضية، من التجاهل إلى بداية الإنصات.
هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج دينامية متواصلة اشتغلت خارج دائرة الضوء، قبل أن تفرض نفسها تدريجياً داخل فضاءات النقاش، وتعيد طرح سؤال موقع المتقاعد داخل المجتمع، باعتباره فاعلاً ساهم في بناء الدولة، لا مجرد فئة تستحق الرعاية الظرفية.
ورغم هذا التطور، تظل الطريق محفوفة بإكراهات متعددة، ترتبط بطبيعة التوازنات المالية والمؤسساتية، وهو ما يفسر بطء وتيرة التفاعل مع المطالب المطروحة، ويُبقي الفجوة قائمة بين الانتظارات الاجتماعية والاستجابات الممكنة.
غير أن المؤشر الأبرز في هذا المسار يتمثل في كسر جدار الصمت الذي طبع هذا الملف لعقود، وإعادة إدراجه ضمن أولويات النقاش العمومي، باعتباره قضية مستمرة لا تقبل التأجيل.
وفي أفق المرحلة المقبلة، يتعزز وعي جماعي متنامٍ بضرورة إنصاف هذه الفئة، وفتح نقاش أعمق حول العدالة الاجتماعية وموقع المتقاعد داخل السياسات العمومية، بما يضمن الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الالتزامات الفعلية.
وبين تحديات الواقع ورهانات المستقبل، يبقى الرهان الأساسي في قدرة الهيئة على تحويل هذا التراكم إلى قوة ضغط مؤثرة، قادرة على تحقيق التغيير المنشود، وترسيخ حضور المتقاعدين كقوة اقتراح داخل المشهد العمومي.


اترك تعليقاً