×

بين نار الخارج وارتباك الداخل… من يدفع فاتورة الغلاء في المغرب؟.

بين نار الخارج وارتباك الداخل… من يدفع فاتورة الغلاء في المغرب؟.

بقلم/ سيداتي بيدا

لم يعد الغلاء في المغرب مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية تختبر صلابة النموذج الاقتصادي برمّته. في سياق دولي متقلب، تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتضطرب سلاسل الإمداد، يبدو التفسير السهل جاهزًا: “العالم يشتعل، والمغرب يتأثر”. غير أن هذا التبسيط، رغم جاذبيته، يخفي نصف الحقيقة فقط… أما النصف الآخر، فيكمن داخل الحدود.
فالاقتصاد المغربي، وهو يواجه صدمات الخارج، يكشف في الآن ذاته عن أعطاب داخلية مزمنة. ارتفاع أسعار المحروقات، مثلًا، لا يتوقف عند مضخة الوقود، بل يمتد كعدوى صامتة عبر كل مفاصل السوق، من تكلفة النقل إلى أسعار المواد الغذائية. هنا لا يعود السؤال: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: لماذا ترتفع أكثر مما ينبغي؟
الجواب يقودنا إلى منطقة رمادية لطالما أُهملت: سلاسل التوزيع. تعدد الوسطاء، غياب الشفافية، وتضخم هوامش الربح، كلها عوامل تجعل من السوق فضاءً مفتوحًا للمضاربة أكثر منه آليةً لضبط التوازن. في مثل هذا السياق، لا تعود الأسعار انعكاسًا للعرض والطلب بقدر ما تصبح نتيجة لاختلال القوة بين الفاعلين.
ثم يأتي العامل المناخي ليزيد الصورة قتامة. فالجفاف، الذي لم يعد استثناءً بل صار نمطًا متكررًا، يضرب العمود الفقري للإنتاج الفلاحي. ومع تراجع الإنتاج المحلي، تتسع فجوة الاعتماد على الخارج، فنستورد التضخم كما نستورد القمح والوقود. وهنا تتضاعف الهشاشة: اقتصاد يتأثر بما لا يتحكم فيه، ولا يُحسن دائمًا تدبير ما يملكه.


في مواجهة هذا الواقع، تبدو الاستجابة الحكومية أقرب إلى “تدبير الضرر” منها إلى “حل المشكلة”. دعم ظرفي هنا، وإجراءات تخفيفية هناك، لكنها تظل، في جوهرها، مسكنات لا تعالج أصل الداء. إذ لا يمكن كبح جماح الأسعار دون إصلاح عميق لمنظومة السوق: ضبط المنافسة، تقليص حلقات الوساطة، وتعزيز آليات المراقبة والمساءلة.
غير أن أخطر ما في الأزمة ليس الأرقام، بل ما تعكسه اجتماعيًا. فارتفاع الأسعار لا يوزَّع بالتساوي؛ بل يثقل كاهل الفئات الهشة أولًا، ويقضم تدريجيًا من الطبقة المتوسطة. ومع كل موجة غلاء، لا تتآكل القدرة الشرائية فقط، بل تتآكل أيضًا الثقة—وهي العملة الأندر في أي اقتصاد.
هنا تحديدًا يفرض السؤال نفسه بحدة: من يدفع الكلفة الحقيقية؟
الإجابة، وإن بدت قاسية، واضحة: المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة، حيث تُرحَّل كلفة الأزمات من الأعلى إلى الأسفل، ومن القرار إلى الجيب.
إن ما يعيشه المغرب اليوم ليس أزمة ظرفية، بل لحظة كاشفة. لحظة تفرض الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن تبرير الواقع إلى تغييره.

اترك تعليقاً

You May Have Missed