أبطال التُكتك

هوسبريس ــ (هآرتس ـ تسفي برئيل)

“نحن أبطال الأمة، لا نخشى الموت، يا الله يا الله، أنا وهي يا أبو التكتك، كانت لك مواقف بطولية”. هكذا يغني المطرب العراقي المعروف حسام الرسام في فيديو كليب كتبه خصيصا على شرف المتظاهرين في العراق. الكليب الذي نشر في الشبكات الاجتماعية وتحول بسرعة الى فيروس، اصبح النشيد الوطني للعصيان المدني في العراق، مع 1.5 مليون مشاهدة. وهو يذكر بأفلام الفيديو القصيرة والاغاني التي اسمعت في مظاهرات الربيع العربي في مصر وتونس وسورية.

ايضا التكتك، الذي هو الدراجة – التاكسي – التندر، حظي باحترام كبير. لقد حل في العراق محل سيارات الاسعاف التي اصبحت غير كافية لنقل آلاف المصابين وجثث القتلى من الشوارع الدموية الى المستشفيات والعيادات. سائقو التكتك الشجعان يقومون بنقل المصابين بشجاعة ويعرضون حياتهم للخطر، بمساعدة المتظاهرين، وينقلونهم بين الشوارع في محاولة للتملص من رصاص الجيش العراقي والمليشيات الشيعية.

منذ اكثر من شهر والشباب في العراق يملؤون الشوارع، يتظاهرون ويرشقون الحجارة على الجنود، في مطالبة لعزل الحكومة وتغيير طريقة الحكم. ومثلما في دول اخرى، ايضا في هذه المظاهرات يشكل الرسامون للغرافيك ومغني الشوارع وصائغي الشعارات جزء مهم في اذكاء العصيان. قرب ميدان التحرير في مركز بغداد سيطر المتظاهرون على مبنى من 14 طابقا باسم “المطعم التركي”، على اسم المطعم الموجود في مبنى المكاتب الفاخر هذا الذي بني في بداية الثمانينيات، وبعد أن تم قصفه في حرب الخليج الثانية بقي منه الهيكل فقط. من هذا المبنى، الذي يسمونه “جبل أحد” على اسم المعركة التي ادارها المقاتلون المسلمون في فترة النبي محمد ضد ابناء قبيلة قريش الذين رفضوا اعتناق الاسلام، هم يديرون النضال.

التاريخ البعيد يعود ليجعل القلوب تدق وليغذي الغضب واشعال الاحتجاج في العراق، التي يصعب تقدير متى ستصل الى نهايتها. مئات الشباب الذين تمركزوا في المبنى الذي يطل على جسر الجمهورية والذي يربط بين شطري بغداد وعلى ميدان التحرير، وهم يتسلقون الى المبنى عن طريق درج ضيق وخطير. الطعام يحصلون عليه بواسطة حبال تتدلى الى الرصيف وفيها يربط من يؤيدونهم الطعام والماء. الكهرباء والمياه الجارية لا توجد في مبنى الاشباح هذا، المحاط بالسقالات غير معروف متى ستنهار. عدد من الغرف يمكن أن تكون ملوثة بالمواد الاشعاعية التي مصدره قنابل اليورانيوم التي القيت على المبنى في الحرب السابقة.

ولكن هنا هم محميون على الاقل من قناصة الجيش ومن قنابل الغاز المسيل للدموع، التي تطلق بكميات كبيرة في الشوارع التي توجد تحتهم، سلاحهم هو المقاليع التي بواسطتها يرشقون الحجارة على قوات الامن. هؤلاء هم شباب لا يوجد لديهم ما يخسرونه، معظمهم عاطلون عن العمل، وعدد منهم خريجو جامعات ينضمون الى الدائرة التي تزداد للفقراء الذين هم غير قادرين على اعالة انفسهم أو شراء شقة.

الدولة ذات امكانيات الثروة الضخمة الكامنة واحتياطي النفط الاكبر في العالم، نزفت عشرات مليارات الدولارات التي تسربت الى جيوب المقربين وكبار رجال احزاب السلطة والمقاولون الذين حصلوا على اموال طائلة مقابل مشاريع لم تنفذ وضباط في الجيش قاموا بنقل تقارير كاذبة عن عدد الجنود في وحداتهم من اجل أن يضعوا في جيوبهم رواتب هؤلاء الجنود الوهميين. في الشوارع التي تؤدي الى ميدان التحرير ينشغل الشباب في كتابات الغرافيك، يمكننا أن نجد هناك شعارات مكتوبة ببساطة مباشرة، والى جانبها رسومات حائط مؤثرة بجمالها والعمل الذي استثمر فيها. مكان محترم مخصص للتكتك وسائقيه، لوحات جدارية كبيرة تشاهد فيها صور اشخاص في اوضاع قتالية ضد قوات الامن.

طالبات في كلية الفنون وفي كلية الطب يتجولن بين المتظاهرين من اجل تقديم العلاج للمصابين. احداهن، سبأ المهداوي (37 سنة) تحولت الى احد رموز الانتفاضة بعد اختطافها على أيدي مجهولين اثناء عودتها من ميدان التحرير الى منزلها. صورتها وهي ترتدي الكوفية وتضع كمامة ضد الغاز على وجهها وتشير بعلامة النصر، نشرت في الشبكات الاجتماعية.

في العراق يتحدثون عن عشرات الاشخاص الذين عائلاتهم لا تعرف الى أين تم أخذهم واذا ما يزالون على قيد الحياة. الآن توجد موجة اخرى من المظاهرات تطالب فيها العائلات العثور على أبنائها واطلاق سراح آلاف المعتقلين الذين اعتقلوا في المظاهرات.

هل يوجد لهؤلاء المتظاهرين أي احتمال. في 2012 و2013 جرت في العراق مظاهرات صاخبة ضد الحكومة واستمرت نحو سنة. ولكن في حينه كان المتظاهرون في الاساس من السكان السنة الذين يشكلون نحو ثلث عدد السكان، هم الذين خرجوا الى الشوارع. النظام، تحت حكم شيعي، قمع المظاهرات بمساعدة الجيش، ونحو 200 شخص قتلوا. من تقارير لوسائل الاعلام العراقية يتبين أنه في هذه المرة السكان السنة بسبب خيبة أملهم من المظاهرات السابقة لم يخرجوا الى الشوارع. ولكن ربما بالضبط لأن الاحتجاج في هذه المرة يستند الى المواطنين الشيعة ويتركز في بغداد وفي جنوب العراق من شأنه أن يحدث نتائج اكثر اهمية. انتقاد عدد من المتظاهرين لايران، الغضب على المليشيات الشيعية وحقيقة أن مجموعة المضطهدين هي من سكان الاغلبية الشيعية، ربما يمكنها اقناع الحكومة التي في هذه المرة يجدر بها الاصغاء الى الشعب.

اترك تعليقاً