الأحد، 4 أكتوبر 2026
الرأي

الصحراء المغربية.. كلما تقدمت المفاوضات تأخر الحل

الصحراء المغربية.. كلما تقدمت المفاوضات تأخر الحل

بقلم خليل الكطابي 
لم يعد ملف الصحراء المغربية اليوم مجرد نزاع حول المواقف، بل دخل مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة البحث في تفاصيل الحل، وترتيبات المرحلة الانتقالية، والضمانات، والموارد، والأمن، والانتخابات، وحتى شكل الهيئة التي قد تدير مرحلة انتقالية محتملة.

وهنا تحديداً تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: إذا كانت المفاوضات قد قطعت كل هذه الأشواط، فلماذا لا يزال الحل النهائي بعيداً؟

التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول الصحراء يكشف أن النقاشات لم تعد تدور فقط حول المواقف التقليدية للأطراف، وإنما دخلت في تفاصيل مرتبطة بما يمكن أن يحدث بعد التوصل إلى اتفاق. فقد جرى بحث فكرة إنشاء مجلس انتقالي، كما طُرحت قضايا تتعلق بتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية، والأنظمة الانتخابية، والضمانات الدولية.

كما طُرح إنشاء لجنة، بناءً على مقترح موريتاني، لمعالجة مسألة الحدود الدولية النهائية والدائمة للمنطقة المتنازع عليها.

على الورق، تبدو هذه التفاصيل وكأنها دليل على أن المفاوضات انتقلت إلى مستوى أكثر تقدماً. لكن السياسة لا تُقاس دائماً بعدد الملفات التي توضع على الطاولة، وإنما بمدى القدرة على إغلاقها.

وهنا تأتي العبارة الأكثر إثارة للانتباه، والتي صدرت عن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية والمكلف بملف الصحراء، عندما قال إن لا حل وشيكاً يمكن الشعور به أو لمسه في الوقت الحالي، رغم إقراره بأن المفاوضات التي شاركت فيها الأطراف كانت منتجة.

هذه التصريحات تضع التطورات الأخيرة أمام سؤال صعب: هل نحن أمام تقدم حقيقي نحو الحل، أم أمام تقدم في هندسة المفاوضات فقط؟

بالنسبة إلى المغرب، هناك بالتأكيد تحول مهم في الإطار الذي يجري داخله النقاش. فمقترح الحكم الذاتي المغربي أصبح، وفق التطورات الأخيرة، أساساً للمفاوضات، وهو ما يمثل انتقالاً مهماً في طبيعة النقاش الدولي حول الملف.

لكن الاعتراف بأهمية هذا التحول لا يعني أن الطريق إلى التسوية أصبح قصيراً.

فبين أن يصبح مقترح ما أساساً للتفاوض، وبين أن يتحول إلى اتفاق سياسي نهائي، مسافة قد تكون طويلة. وهذه المسافة هي التي تبدو اليوم الأكثر تعقيداً.

المشكلة لم تعد فقط في ماذا يقترح المغرب؟ وإنما في كيف سيُترجم ذلك إلى اتفاق تقبله الأطراف، وما هي الضمانات التي سترافقه، ومن سيدير المرحلة الانتقالية، وكيف ستنظم الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وكيف سيجري التشاور مع السكان؟

وهكذا، قد يكون ما يبدو للمتابع العادي تقدماً في الملف، وجهاً آخر لتأخر الحل.

فكلما دخلت المفاوضات في التفاصيل، ظهرت تفاصيل جديدة تحتاج بدورها إلى تفاوض.

وهنا لا يتعلق الأمر بالقول إن المغرب تراجع، ولا بأن خصومه انتصروا؛ فهذه قراءة لا تعكس بالضرورة ما يجري على طاولة التفاوض. بل إن التطورات الأخيرة تُظهر استمرار دعم دولي مهم لمقترح الحكم الذاتي، وفي مقدمة ذلك الموقف الأمريكي.

لكن السياسة الدولية لها منطق آخر: المكسب في ميزان المواقف لا يساوي بالضرورة اتفاقاً نهائياً.

وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الاحتفال بأي تحول دبلوماسي.

لقد راكم المغرب خلال السنوات الماضية مكاسب مهمة في مواقفه الدولية بشأن قضية الصحراء، لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس عن حجم تلك المكاسب، وإنما عن قدرتها على إنتاج تسوية نهائية.

فإذا كان المسؤول الأمريكي المكلف بالملف نفسه يقول إنه لا يرى حلاً وشيكاً، وإذا كان تقرير الأمين العام لا يزال يتحدث عن ترتيبات انتقالية ومجلس انتقالي وضمانات ولجان وآليات تشاور، فإن الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن الملف دخل مرحلة جديدة، لكنه لم يدخل بعد مرحلة النهاية.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في قضية الصحراء اليوم: قد يكون المغرب أقرب من أي وقت مضى إلى فرض مقترحه كمرجعية للتفاوض، لكن الوصول من مرجعية التفاوض إلى إغلاق النزاع شيء آخر تماماً.

وبين الاثنين، ستظل الدبلوماسية مطالبة بالإجابة عن السؤال الذي انتظر المغاربة طويلاً سماعه:

متى يتحول التقدم في المفاوضات إلى حل؟

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً