سبتة تعري فشل سياسات الهجرة… وصحافة مدريد تكسر جدار الصمت
هوسبريس- سيداتي بيدا
كشفت التطورات المتسارعة التي تشهدها مدينة سبتة المحتلة أن أزمة الهجرة لم تعد مجرد حدث أمني عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات المعتمدة على احتواء ظاهرة تتجدد بأشكال أكثر تعقيدًا. ومع تزايد أعداد الوافدين، بدأ جزء من الإعلام الإسباني يبتعد عن الخطاب التقليدي الذي يكتفي برصد الوقائع، متجهًا نحو مساءلة الخيارات السياسية التي أوصلت الوضع إلى هذه المرحلة الحساسة.
وفي هذا السياق، اختارت صحيفة “إلباييس” مقاربة مختلفة، إذ لم تحصر اهتمامها في مشاهد الإنقاذ أو تعزيزات القوات الأمنية، بل سلطت الضوء على الخلل البنيوي الذي يطبع تدبير ملف الهجرة، معتبرة أن ما يحدث اليوم هو نتيجة سنوات من المعالجات الظرفية التي أخرت الانفجار ولم تمنعه.
وترى الصحيفة أن سبتة تعيش ضغطًا غير مسبوق على مختلف المستويات، بعدما وجدت مؤسسات الاستقبال والأجهزة الأمنية نفسها أمام تدفقات متواصلة فاقت قدراتها، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة السياسات المتبعة، ومدى استعداد السلطات الإسبانية والأوروبية للتعامل مع الظاهرة بمنطق استراتيجي بدل الاكتفاء بردود الفعل الآنية.
ولم تنجر الصحيفة إلى خطاب التراشق السياسي أو تبادل الاتهامات، بل وجهت بوصلة النقاش نحو أصل المشكلة، مؤكدة أن الهجرة غير النظامية ليست أزمة حدود فقط، وإنما قضية ترتبط بالتنمية والاستقرار والتعاون الإقليمي. ومن هذا المنطلق، شددت على أن أي معالجة جادة تستوجب تنسيقًا فعليًا بين مدريد والرباط والاتحاد الأوروبي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الاستغلال السياسي.
ويعكس هذا التناول الصحفي تحولًا لافتًا داخل الإعلام الإسباني، حيث لم يعد النقاش مقتصرًا على كيفية حماية الحدود، بل امتد إلى مساءلة السياسات العمومية التي عجزت عن إنتاج حلول مستدامة، في وقت يستمر فيه البحر في ابتلاع أحلام الباحثين عن مستقبل أفضل، وتتحول محاولات العبور إلى مشاهد إنسانية مؤلمة تتكرر بوتيرة مقلقة.
إن ما يجري في سبتة اليوم يؤكد أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت شدتها، لن تكون كافية ما لم ترافقها رؤية شاملة تعالج جذور الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. فالهجرة لا تُختزل في أرقام أو إحصائيات، بل تعكس اختلالات عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية، وهو ما جعل الصحافة الإسبانية نفسها ترفع سقف النقد، وتضع صناع القرار أمام مسؤولياتهم، بعدما أثبت الواقع أن تأجيل الحلول لا يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة واتساع رقعتها.
التعليقات