الرئيسية / حوارات / حوار ..الدخول الاقتصادي وسوق الشغل .. أربعة أسئلة للخبير عمر إيبورك

حوار ..الدخول الاقتصادي وسوق الشغل .. أربعة أسئلة للخبير عمر إيبورك

أجرت الحوار: سامية بوفوس

يستعرض الخبير الاقتصادي ب”مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” وأستاذ المناهج الكمية والاقتصاد الاجتماعي بجامعة القاضي عياض بمراكش، عمر إيبورك، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، رؤيته حول الوضع الراهن لسوق الشغل بالمغرب، وكذا الدور الذي يمكن أن تضطلع به مختلف التدابير الهادفة إلى الحفاظ على مناصب الشغل من خلال إعادة تكوين وتأهيل الشباب والفئات النشطة.

ـ  كيف تقيمون الوضع الراهن لسوق الشغل بالمغرب؟

سواء تعلق الأمر بالعرض أو الطلب، بالكم أو الجودة، بالأفراد أو المنظمات، بالرجال أو النساء، بالشباب أو البالغين، فإن التغييرات الناتجة عن ظهور الجائحة تطرح عدة أسئلة متعلقة بهشاشة ومستقبل سوق الشغل، والتي تذكيها مخاوف وشكوك ووقائع، ولكنها بالتأكيد لا تفرض نفسها بنفس الحدة.

فمن حيث العرض أو الطلب في سوق الشغل، فقد فاقمت الجائحة الاختلالات القائمة منذ فترة طويلة؛ على غرار البطالة، وعدم الملاءمة، بما في ذلك الشغل الناقص، والعمل في القطاع غير المهيكل ومناصب الشغل الهشة، وضعف النمو على مستوى مناصب الشغل، والإحباط، وعدم النشاط، وولادة جيل من الشباب الضائع (بدون عمل، وبدون تعليم، وبدون تكوين مهني).

وفي هذا الصدد، أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأنه تم فقدان زهاء 590 ألف منصب شغل في المجموع بين الفصل الثاني من سنة 2019 والفصل الثاني من سنة 2020، أي حوالي 5 في المائة من مناصب الشغل، وأزيد من نصف ساعات العمل في القطاعات غير الفلاحية. كما ارتفع عدد المشتغلين في حالة الشغل الناقص بأزيد من 360 ألف عامل نشط خلال الفترة نفسها. وبخصوص فئات السكان، يتسم الوضع الحالي بتداعيات وخيمة على العمال في القطاع غير المهيكل، والنساء والشباب وذوي الأجور المتدنية. إذ تجد الفئة الأولى نفسها، اليوم، بدون حماية اجتماعية، أمام خيارين أحلاهما مر: الاستمرار في الذهاب إلى العمل والمخاطرة بالإصابة بالفيروس ونقله للأقارب والمجتمع، أو البقاء في المنزل والمخاطرة بانعدام سبل العيش الضرورية. وفي ظل عدم اليقين السائد اليوم، على المستويين الوطني والدولي، هناك تساؤل حتى حول وجاهة الأخذ في الاعتبار قدرة القطاع غير المهيكل على الاستجابة للطلب على مناصب الشغل، والمداخيل بالنسبة لفئة عريضة من السكان، خاصة في المناطق الحضرية. فاعتبار أن العمال في القطاع غير المهيكل يتواجدون جميعهم في وضعية هشاشة ينطوي على إغفال تعددية المواقف والأشكال المختلفة التي يأخذها الاقتصاد غير المهيكل.

ـ كيف يمكن إنعاش هذا السوق بعد أزمة كوفيد-19؟

أود أن أؤكد، أولا، أن تأثير هذه الأزمة على النشاط هو متغير مستتر؛ بمعنى أنه يعتمد، من بين أمور أخرى، على مدة الصدمة التي لا تزال غير مؤكدة. كما أن كوفيد-19 يعيد بالفعل كتابة مستقبل العلاقات [أي علاقات العمل] بطرق مختلفة، وذلك على غرار التأثير على السلوك الحالي والمستقبلي، والتأثير على سلاسل القيمة العالمية، وبالتالي، من بين أمور أخرى، على التكاليف والشغل، والتأثير على أنماط التعاون بين المقاولة وبيئتها، لا سيما اللامركزية في مكان العمل، والتأثير على ثقافة المقاولات وعقلية المنظمات بشكل عام، وغير ذلك من الأمور.

وأؤكد أيضا أنه في مثل هذه الظروف، قد تكتسي الصدمة السلبية على سوق الشغل طابعا هستيريا، وقد تتفاقم البطالة التي من الممكن أن تكون مؤقتة مبدئيا. هناك العديد من الأسباب التي تدعم امتداد تأثير الصدمات الحالية على ظروف سوق الشغل في المستقبل.

كما نلاحظ قدرة المقاولات على التشغيل، وتعزيز وضعها المالي واللجوء إلى استراتيجيات خفض التكلفة، لا سيما من خلال اعتماد ونشر تقنيات جديدة، وكذا اعتماد تقنيات قائمة على رأس المال والممارسات الفضلى، والصلابة الهيكلية التي تحول دون نوع من السيولة بين العرض والطلب، والخسارة من حيث الجاذبية وقابلية تشغيل العاطلين عن العمل على المدى الطويل بسبب تراجع أو حتى تقادم كفاءاتهم. وفي هذه الحالة، ستعتمد أهمية سياسات تحفيز الطلب على الطريقة “الكينزية” على عمق التغييرات التي ستخضع لها هياكل الاقتصاد، والتحولات في أنماط تنظيم الإنتاج على المستويين الوطني والدولي، وتنفيذ إصلاحات هيكلية وفعاليتها وقابليتها للتأقلم، وكذلك على قدرة العمال على التأقلم. الأمر المؤكد هو هل ستكون مثل هذه السياسات قادرة بمفردها على إعادة العداد إلى الصفر.

ـ ما هو دور برامج الشغل في تأهيل وإعادة التكوين المهني للشباب والعاملين النشطين، لا سيما في سياق الأزمة الصحية؟

من المرجح أن تستغرق الصدمة السلبية على سوق الشغل بعض الوقت قبل أن تنعكس. وهذا يعني أن سرعة التقاء نتائج سوق الشغل إلى مستويات ما قبل كوفيد-19 قد تكون بطيئة. وهو ما من شأنه أن يعزز درجة خطورة بعض الظواهر مثل البطالة طويلة الأمد، وبطالة الإقصاء، والإدماج الأولي، والإحباط، وغيرها. وبالتالي، فقد تظهر على السطح قابلية التشغيل، وانخفاض قيمة رأس المال البشري، وتقادم الكفاءات، وغيرها من التحديات المتعلقة بجودة اليد العاملة.

من جهة أخرى، فإن التغييرات التي أحدثها كوفيد-19 سيكون لها لا محالة تداعيات على أنماط التعاون بين المقاولة وبيئتها، وكذلك على ملاءمة كفاءات العمال. علاوة على ذلك، فإن تراجع زخم نموذج النمو القائم على الطلب الداخلي، لا سيما الاستثمارات العمومية وتركيز المبادلات التجارية يستدعي اليوم التنويع، والانتقال، والانفتاح، والإنتاجية/التنافسية. وهذا ما يضع الابتكار والمهنية وقابلية تأقلم اليد العاملة في صلب أي مشروع وأي محاولة لبناء نموذج تنموي جديد. وبالإضافة إلى هذه القضايا، ألقت جائحة كورونا الضوء على الحاجة إلى نموذج أمان مرن يتكيف مع واقع مناصب الشغل بالمغرب. والعنصر المحوري لذلك هو نجاح التوازن العادل بين مرونة سوق الشغل، والحماية الاجتماعية، والسياسات النشطة لسوق الشغل، وتكوين اليد العاملة، لا سيما من خلال منظور التعلم مدى الحياة، مما يسمح، من بين أمور أخرى، بالتنقل وإعادة التكوين.

وبالتالي، يمكن أن يضطلع التأهيل وإعادة التكوين المهني للشباب والعاملين النشطين بدور محوري. وبعد ذلك ستتم دعوة البرامج النشطة للشغل لتجاوز مجالاتها المعتادة من حيث الأدوات والأهداف، وكذلك من حيث الحجم والنطاق.

ـ ما هي الوسائل التي من شأنها تعزيز الإدماج الاجتماعي للشباب المحرومين من التعليم والتكوين؟

أود أن أقول، أولا، إن ثقل هذه الفئة الديمغرافية، وهي الشباب بشكل عام، وكذلك الحاجة إلى تحرير الإنسان، مقترنة بالقلق، والوقائع والانعكاسات، المرتبطة بضغط هذه الخيارات وضعت “الشباب” وإدماجهم في صلب المناقشات الأكثر حيوية بين الخبراء الاقتصاديين والسياسيين والفلاسفة وعلماء الاجتماع منذ ستينيات القرن الماضي.

وما يستشف من هذه النقاشات هو أنه صحيح أن عبارة “إدماج الشباب” تغطي جوانب اقتصادية وغير اقتصادية، ولكنها تؤكد كذلك أن أكثر هذه الجوانب أهمية في بلداننا النامية هي: التعليم والتكوين، والإدماج المهني والولوج إلى الخدمات والفضاءات المخصصة للشباب.

فالتعليم والتكوين المهني يشكلان، اليوم، محورا مركزيا لسياسات الإدماج، سواء في البلدان المتقدمة أو النامية. وتحت تأثير توسع اقتصاد المعرفة، واستنادا إلى توصيات المؤسسات الوطنية والدولية، تحولا وتطورا بسرعة إلى أداة فعالة لمحاربة حالات الإقصاء، والتي تتجلى بشكل خاص في الحد من الفرص الاقتصادية وغير الاقتصادية المقدمة للشباب غير المؤهلين أو ذوي الكفاءات المتدنية. ومن البديهي أن تتمثل الوسيلة الأولى لتعزيز الإدماج الاجتماعي للشباب المحرومين من التعليم والتكوين في توفير التعليم والتكوين، لا سيما من خلال تنفيذ برامج لإعطائهم فرصة ثانية. ويمكن أن تعود هذه البرامج بفائدة كبيرة على الشباب الذين أهدروا فرصة تطوير رأسمالهم البشري فيما قبل أو خلال مرحلة المراهقة (البنك الدولي، 2006). ويتعلق الأمر أساسا ببرامج محو الأمية، والتعلم، والتكوين، وإعادة التأهيل لفائدة خريجي مؤسسات التربية والتكوين. وعلى الرغم من حقيقة أن هذه البرامج قد لا تؤدي إلى مشاركة فعالة في سوق الشغل وفي الحياة المجتمعية، إلا أنها مع ذلك ستساهم في تعزيز عوامل إعادة التأهيل والإدماج. ويتعلق الأمر كذلك بتعزيز المحتوى التربوي من حيث الكفاءات وإعداد الشباب لسوق الشغل، وذلك مع مراعاة أنه إلى جانب تعليم أساسي ذي جودة، يجب أن توفر الأنظمة التعليمية فرصا للتعليم التقني والمهني، والتي تزود الشباب بالمهارات المطلوبة في سوق الشغل. ويمكننا التحدث، أيضا، عن المساعدة في البحث عن عمل لفائدة الشباب الذين لا يتوفرون على شغل أو تعليم أو تكوين، وذلك بهدف ربط الشباب الباحثين عن الشغل بشكل أفضل بالمشغلين الذين يوفرون فرص الشغل. ومع ذلك، فإن برامج المساعدة في البحث عن عمل لا تكون فعالة إلا عند وجود مناصب شغل، وتبقى قليلة الفائدة في سياق البطالة الكثيفة. وفي الختام، أود أن أذكر بضرورة التفكير في وسائل أخرى من أجل تعزيز الجانب غير الاقتصادي من الإدماج الاجتماعي، لا سيما دور المعلومات. فمن الضروري التعرف على هؤلاء الشباب، وكذلك توعيتهم وتحسيسهم بالفرص المتاحة للاندماج الاجتماعي.

تعليقات الزوّار