الرئيسية / ثقافة وإعلام / حكايات من وحي البادية…من الغبطة والسرور إلى الحيطة والحذر

حكايات من وحي البادية…من الغبطة والسرور إلى الحيطة والحذر

علي عدروج الزيادي

…….وبعد أن اكتمل المعلم ،عملية التسجيل لكل الثلاميذ الحاضرين في ذلك الصباح، من خريف سبعينيات القرن الماضي، بدأت عملية الولوج إلى قسم الحجرة الخلفية،  المطلة على سقاية صنبورها من النحاس الخالص اللامع، واضعين اليد اليمنى على كتف من يتواحد أمامنا ،في انسجام وهدوء تام، ليس احتراما وتقديرا لأوامر المعلم، بل احتراما وخضوعا للعصا التي كان يحملها، والتي وزع بركتها على أحد الثلاميذ، وبشدة تجاوزت كل العقوبات، إذ انهال عليهم بالضرب، وكانت مخالفتهم انهم لم يستوعبوا بعد  وضع اليد على الكتف، فتماطلوا في تنفيذ هذه الحركة، فكان الجزاء يليق بمقام غير الابهين بتعليمات معلم، الذي كان يريد إيصال رسالة تنطبق مع المثل المغربي الشعبي ” نهار لول كايموت المش ” وهو ماكان طيلة أيام الأسبوع،

داخل القسم، الذي يتوفر على نافذتين مطلتين على الطريق المؤدية إلى دوارنا، الذي بدا الشوق ينتابنا إليه، من شدة فقدان الثقة من هذا المعلم الذي لا يرحم، كما يتكون هذا القسم على صبورة عريضة سوداء، متاكلة الجوانب ، لكنها مازالت تقاوم عوامل التعرية، تقابلها طاولات أعدت خصيصا لجلوس أطفال يتعدى عددهم تلاثة،على كل طاولة،في أنصار اخوي ،وبدون احتكاك جسدي، وبدون تقديم أية شكاية في رسم الحدود بين الجالسين من الثلاميذ، وذلك تجنبا للأسوأ ، من عصا الكاليبتوس التي لا ترحم، والتي  تحصد الأخضر واليابس، إذ يصل شظاياها إلى كل القسم كله، تسحق الظالم والمظلوم، والآخرين من الثلاميذ، حتى لا يفكرون في تقديم أية شكاية من هذا النوع، أو في غيره من المواضيع الأخرى، وذلك للحد من التسيب ، ودرءا لكل شكايات الأطفال التي لا تنتهي.

وبعد الجلوس، يبدأ المعلم في إعادة النداء على أسماء التلاميذ من جديد، لغرض ترتيب أسماء مع أصحابها في شكل الجلوس، ويبدأ بالتلاميذ الأقصر طولا، هم من لهم أولوية الجلوس في الصفوف الأمامية، حتى تستنى لهم الرؤية، سواء كانت على المعلم اوالسبورة ، وكذلك أيضا  لتحكم المعلم على القسم كله،  وكانت أسماء الثلاميذ في تلك الحقبة الزمنية، اما ثلاثية اورباعية، نظرا لعدم التوفر على الإسم العائلي، إذ ينادي  المعلم:

أحمد بن عبدالله بن عبدالعزيز في الأسماء الثلاثية،

سعيد بن الجيلالي  بن الحسن بن عبد القادر، هذا على سبيل الرباعي،

وفي هذا الصدد ،  يوجه المعلم  امرا  لتلاميذ القسم بحفظ أسمائهم، كما يدعوهم إلى الإلتزام اليومي، بالجلوس لكل واحد في مقعده…….

هذه الإرشادات في حفظ  التلميذ لاسمه كاملا، اذ أصبح من الواجبات الأولية، ويتعامل معه التلاميذ الجدد بحذر شديد، حتى لا يتكرر مشهد وقع لثلميذ في سنوات من ذي قبل، بعدما نسي إسم جده الرابع، فشرب من رحيق العصا،  وتم طرده من القسم، إلا بعد إحضار ولي أمره…….

وبعد هذه الإجراءات اللازمة، والتدابير المتخذة،  في شأن هذا اليوم الأول من الدخول المدرسي ،والتي استمرت  زهاء الحصة الصباحية بأكملها، لكن لم يختم المعلم ملف التسجيل، فما يزال الوافدون  من التلاميذ الجدد، يتقاطر على أبواب المدرسة الابتدائية باثنين الطوالع، لغاية التسجيل وضمان مقعد رابع على طاولة واحدة، وهو ما سيتاتى بعد عملية إنتظار ستطول ، إلى حين رجوع الثلاميذ الفارين من عملية التسجيل، بعدما جيء بهم  من طرف أولياء أمورهم،مكبلين إلى المدرسة، بعد عملية تمشيط واسعة، قامت بها أسرهم وذويهم،  بحثا عنهم  في كل الأوقات ، وفي كل  الأمكنة  ، سواء في  جنبات الوديان، والاحراش، وفي الهضاب،  وعلى امتداد السهول ،أو سواء في محيط عائلاتهم من ذوي القربى………يتبع.

تعليقات الزوّار