التصويت المغربي ضد رفع الحصار عن كوبا.. رسالة واضحة بشأن كلفة معاداة الوحدة الترابية للمملكة
هوسبريس-خالد غوتي
صوّت المغرب ضد مشروع القرار الداعي إلى إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي المفروض على كوبا، خلال تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة تعكس أبعاداً سياسية ودبلوماسية تتجاوز موضوع العقوبات الأمريكية، وتعيد إلى الواجهة الخلافات التاريخية بين الرباط وهافانا بشأن قضية الصحراء المغربية.
وجاء الموقف المغربي ضمن 17 دولة عارضت القرار، مقابل 130 دولة أيدته، فيما اختارت 25 دولة الامتناع عن التصويت. ويكتسي هذا الاختيار أهمية خاصة بالنظر إلى التحول الذي طرأ على الموقف المغربي مقارنة بالتصويت السابق، حين فضلت الرباط الامتناع، قبل أن تنتقل هذه المرة إلى التصويت بالرفض.
ولا يبدو هذا التطور منفصلاً عن طبيعة العلاقات المغربية الكوبية، التي ظلت محكومة بخلاف سياسي جوهري يتعلق بموقف هافانا من الوحدة الترابية للمملكة، واعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية، إلى جانب دعمها التقليدي لجبهة البوليساريو في المحافل الدولية.
ورغم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 2017، بعد قطيعة امتدت لعقود، فإن عودة العلاقات الرسمية لم تنهِ الخلاف بشأن الصحراء المغربية، وهو ما أبقى التقارب الثنائي محدوداً بفعل استمرار التباين في المواقف السياسية.
ويطرح التصويت المغربي، في هذا السياق، تساؤلات بشأن مدى تأثير المواقف الدولية من قضية الصحراء على اختيارات المملكة داخل المؤسسات متعددة الأطراف، خصوصاً أن الرباط جعلت من الدفاع عن وحدتها الترابية أولوية مركزية في سياستها الخارجية.
الصحراء المغربية في صلب الحسابات الدبلوماسية
تضع المملكة مواقف الدول من قضية الصحراء ضمن الاعتبارات الأساسية التي تؤطر علاقاتها الخارجية، وهو ما يجعل استمرار الدعم الكوبي للبوليساريو عاملاً حاضراً في تقييم طبيعة العلاقات بين الرباط وهافانا.
وتبرز أهمية هذا المعطى في ظل التحولات التي شهدها الملف داخل مجلس الأمن، لاسيما بعد اعتماد القرار رقم 2797، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التصويت المغربي باعتباره مؤشراً على أن استئناف العلاقات الدبلوماسية لا يعني تجاوز الخلافات الجوهرية، ولا يفرض على المملكة الاستمرار في اتخاذ مواقف لا تنسجم بالضرورة مع حساباتها ومصالحها الوطنية.
المعاملة بالمثل وإعادة ترتيب الأولويات
يبرز مبدأ المعاملة بالمثل باعتباره أحد الاعتبارات الممكنة لفهم الموقف المغربي، إذ يصعب فصل طبيعة العلاقات الثنائية عن مواقف كل طرف تجاه القضايا التي يعتبرها أساسية بالنسبة إلى مصالحه الوطنية.
ففي الوقت الذي تطالب فيه هافانا المجتمع الدولي بدعم موقفها الرافض للحصار الأمريكي، تواصل تبني موقف سياسي تقليدي من قضية الصحراء المغربية، وهو ما يطرح إشكالية التوازن بين التضامن الدولي واحترام المصالح الاستراتيجية للدول.
كما أن انتقال المغرب من الامتناع إلى التصويت بالرفض قد يعكس توجهاً نحو إعادة تقييم بعض اختياراته الدبلوماسية، على أساس أن تطوير العلاقات مع الدول الأخرى ينبغي أن يقترن بقدر من التفاعل الإيجابي مع القضايا التي تمس المصالح الوطنية للمملكة.
الشراكة مع واشنطن ضمن معادلة المصالح
تحضر العلاقات المغربية الأمريكية بدورها في قراءة هذا التصويت، بالنظر إلى الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، والتطور الذي عرفته على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.
ويظل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في دجنبر 2020، من أبرز المحطات التي عززت العلاقات الثنائية، إلى جانب الدعم الأمريكي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.
ومع ذلك، لا يعني تصويت الرباط بالضرورة تبني جميع المواقف الأمريكية، بقدر ما يعكس إمكانية تقاطع المصالح في ملف معين، دون التخلي عن هامش المناورة الذي تحرص الدبلوماسية المغربية على الاحتفاظ به في علاقاتها الدولية.
رسائل تتجاوز التصويت الأممي
لا تقتصر دلالات هذا التصويت على الموقف من الحصار المفروض على كوبا، بل تمتد إلى الرسائل السياسية التي يمكن أن تحملها اختيارات المغرب داخل المؤسسات الأممية، خاصة عندما يتعلق الأمر بدول تتبنى مواقف متعارضة مع الثوابت الوطنية للمملكة.
ويظل القرار المتعلق بكوبا قراراً أممياً غير ملزم قانونياً، ولا يترتب عن اعتماده إلزام الولايات المتحدة برفع العقوبات، الأمر الذي يجعل التصويت في حد ذاته تعبيراً عن موقف سياسي أكثر منه إجراءً تنفيذياً مباشراً.
وبين استحضار المصالح الاستراتيجية والحفاظ على العلاقات الدولية، يبرز الموقف المغربي باعتباره محطة جديدة في مسار تدبير الخلاف مع هافانا، في انتظار ما إذا كانت هذه الإشارة الدبلوماسية ستدفع كوبا إلى مراجعة موقفها من قضية الصحراء المغربية، أو ستكرس استمرار التباعد السياسي بين البلدين.
التعليقات