الجمعة، 30 أكتوبر 2026
دولي

الفيتو في مجلس الأمن.. حين تتراجع قوة الحق أمام منطق المصالح والنفوذ

الفيتو في مجلس الأمن.. حين تتراجع قوة الحق أمام منطق المصالح والنفوذ

هوسبريس-خالد غوتي 

تطرح واقعة استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية سؤالاً جوهرياً يتجاوز حدود الخلاف السياسي حول هذا الملف، ليمس جوهر النظام الدولي نفسه: كيف يمكن لمؤسسة أممية يفترض أن تجسد العدالة الدولية وتحافظ على السلم والأمن العالميين أن تسمح لدولة واحدة بإجهاض قرار حظي بتأييد 11 دولة من أصل 15 عضواً في مجلس الأمن؟

ففي الوقت الذي صوتت فيه 11 دولة لصالح مشروع القرار الأمريكي، واختارت ثلاث دول الامتناع عن التصويت، جاء التصويت الروسي المعارض ليضع حداً لمسار المشروع، مستنداً إلى ما يسمى بحق النقض، الذي يمنح موسكو صلاحية تعطيل قرار يحظى بتأييد أغلبية أعضاء المجلس.

وأمام هذه النتيجة، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة العدالة التي تقوم عليها منظومة الأمم المتحدة، وعن القيمة العملية لأصوات الدول الأعضاء إذا كان بإمكان دولة واحدة، بحكم امتياز تاريخي، أن تتجاوز إرادة الأغلبية وتمنع اعتماد مشروع قرار حظي بدعم واسع داخل أعلى هيئة أممية مكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين.

والأكثر إثارة للنقاش أن هذا الامتياز لا يقتصر على روسيا وحدها، بل تحتكره خمس دول دائمة العضوية، هي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، التي تتمتع جميعها بحق النقض بموجب المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: بأي منطق ديمقراطي يمكن تبرير منح خمس دول وحدها سلطة استثنائية لا تتمتع بها بقية الدول الأعضاء في المنظمة الدولية؟ وأي معنى للمساواة بين الدول إذا كانت أصوات 11 عضواً لا تستطيع تجاوز اعتراض دولة واحدة من الدول الخمس دائمة العضوية؟

إن الإشكال لا يتعلق فقط بالموقف الروسي من مشروع القرار الخاص بالصحراء المغربية، ولا بمدى توافق موسكو أو اختلافها مع مضامينه، بل يتعلق أساساً ببنية مجلس الأمن وآليات اتخاذ القرار داخله، وهي بنية تجعل مصالح الدول الكبرى ومواقفها الاستراتيجية قادرة على تعطيل إرادة الأغلبية.

ولعل المفارقة الأكبر تكمن في أن الأمم المتحدة، التي تأسست على مبادئ المساواة في السيادة بين الدول واحترام القانون الدولي، ما زالت تعتمد نظاماً يمنح خمس دول امتيازاً استثنائياً في تقرير مصير القرارات الدولية، وكأن العالم لا يزال محكوماً بتوازنات القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وليس بمنظومة دولية يفترض أن تتطور مع التحولات التي شهدها العالم.

إن ما حدث داخل مجلس الأمن يعيد إلى الواجهة ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة، ومراجعة آليات اتخاذ القرار، بما يضمن عدم تحويل حق النقض إلى وسيلة لتعطيل إرادة الأغلبية أو جعل القضايا الدولية رهينة الحسابات السياسية للدول الكبرى.

فإذا كانت 11 دولة قد صوتت لصالح مشروع قرار، وثلاث دول اختارت الامتناع، وكان اعتراض دولة واحدة كافياً لإسقاطه، فمن حق الرأي العام الدولي أن يتساءل: أين تقف عدالة الأمم المتحدة بين مبدأ المساواة بين الدول وامتيازات القوى الكبرى؟

إن العدالة الدولية لا ينبغي أن تكون رهينة زر الفيتو، ولا أن تظل إرادة الأغلبية معلقة بإرادة دولة واحدة، مهما كانت مكانتها أو قوتها داخل النظام الدولي.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً