آلات تصفية المياه بالجديدة تحت المجهر.. أسئلة مشروعة حول معايير المراقبة وجودة مياه الصنابير
هوسبريس-سفيان الموطياف
بين حماية صحة المستهلك والحفاظ على حقه في الاستفادة من بدائل اقتصادية، يبرز تساؤل جوهري: هل تخضع جميع مصادر مياه الشرب للرقابة نفسها، أم أن الاهتمام انصب على آلات تصفية المياه دون فتح نقاش موازٍ حول جودة مياه الشبكة العمومية؟
أعادت المراسلات الموجهة إلى الجهات المعنية بشأن آلات تصفية المياه التي تتيح للمواطنين اقتناء الماء مقابل مبالغ رمزية، طرح مجموعة من علامات الاستفهام حول دوافع هذه الخطوة وخلفياتها، خصوصاً في ظل تزايد حاجة الأسر إلى حلول عملية تخفف من أعبائها اليومية، دون المساس بشروط السلامة الصحية.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل صحة المواطنين وجودة مياه الشرب أولوية لا تقبل المزايدة، يظل من الضروري توسيع دائرة النقاش لتشمل مختلف مصادر المياه الموجهة للاستهلاك، بدل حصره في وسيلة واحدة توفر للمواطنين إمكانية الحصول على الماء بتكلفة أقل.
فإذا كانت هذه الآلات تعتمد على مياه الشبكة العمومية وتخضع لعمليات تصفية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما المعايير المعتمدة لتقييم جودة المياه قبل التصفية وبعدها؟ وهل تستند المراسلات الموجهة بشأنها إلى نتائج تحاليل مخبرية دقيقة ومعطيات علمية موثوقة، أم إلى مجرد تخوفات تستدعي التحقق؟
إن إثارة هذه التساؤلات لا تعني التساهل مع أي اختلال محتمل، ولا تنتقص من أهمية المراقبة الصحية، بل تؤكد ضرورة الاحتكام إلى المعايير الموضوعية نفسها عند تقييم جميع مصادر مياه الشرب، سواء تعلق الأمر بالمياه التي تصل إلى المنازل عبر الصنابير أو تلك التي توفرها آلات التصفية.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: لماذا لا تحظى جودة مياه الصنبور بنقاش مماثل، من خلال المطالبة بنشر نتائج التحاليل الدورية وتوضيح مدى مطابقتها للمعايير الصحية المعمول بها؟ أليس من حق المواطن الاطلاع على معطيات دقيقة تساعده على اتخاذ قرارات واعية بشأن المياه التي يستهلكها يومياً؟
إن المقاربة السليمة لا تقوم على استهداف وسيلة دون أخرى، وإنما على إخضاع مختلف مصادر المياه للمراقبة المنتظمة، والتحقق من سلامة التجهيزات المستعملة في التصفية، ومدى احترام شروط الصيانة والنظافة، مع التأكد من جودة المياه الناتجة عن هذه العمليات عبر تحاليل مخبرية مستقلة وشفافة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي لهذه الآلات، التي قد تمثل بالنسبة إلى عدد من الأسر خياراً أقل تكلفة مقارنة ببدائل أخرى لاقتناء مياه الشرب. وهو ما يجعل التعامل مع هذا الملف مسؤولية تستوجب التوازن بين متطلبات الصحة العامة وحق المستهلك في الاستفادة من حلول اقتصادية، شريطة ثبوت سلامتها واحترامها للضوابط القانونية والصحية.
كما أن إثارة الشكوك بشأن أي خدمة موجهة للمواطنين ينبغي أن تستند إلى أدلة واضحة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو المواقف التي قد تؤثر في اختيارات المستهلك دون تقديم معطيات علمية حاسمة.
إن جوهر القضية لا يتعلق بالدفاع عن آلات تصفية المياه أو الاعتراض على مراقبتها، بل بضرورة ضمان المساواة في المراقبة والشفافية في عرض النتائج. فكل مصدر للمياه موجه للاستهلاك البشري يجب أن يخضع للتقييم الصحي اللازم، وكل اختلال مثبت ينبغي التعامل معه وفق القانون، دون انتقائية أو استثناء.
وأمام هذه المعطيات، يبقى من المشروع التساؤل عن طبيعة الأسس التي قامت عليها المراسلات الأخيرة، وعن التدابير التي ستتخذها الجهات المختصة لتوضيح حقيقة الوضع للرأي العام، سواء تعلق الأمر بآلات التصفية أو بجودة المياه التي تصل إلى منازل المواطنين.
فالمطلوب اليوم ليس فتح جبهة من الاتهامات، وإنما إطلاق نقاش مسؤول تحسم فيه التحاليل المخبرية والوثائق الرسمية كل جدل، وتكون فيه صحة المواطن فوق كل اعتبار، مع الحفاظ على حقه في الوصول إلى مياه شرب سليمة وبأسعار تراعي قدرته الشرائية.
ويبقى السؤال الأبرز: إذا كانت حماية المستهلك هي الغاية، فلماذا لا تكون مراقبة جميع مصادر مياه الشرب، ونشر نتائج التحاليل المرتبطة بها، مدخلاً أساسياً لتنوير الرأي العام ووضع حد لكل التساؤلات؟
التعليقات