الرئيسية / الرأي / التوظيف بالعقدة..أي مستقبل ؟

التوظيف بالعقدة..أي مستقبل ؟

 

عبدالنبي مصلوحي

يعد التعاقد في الوظيفة العمومية الذي نجحت الحكومة في تمريره أحد أخطر التعديات على مكاسب العمل المستقر والدائم في بلد تنخره بطالة الأطر والكفاءات من خريجي الجامعات ومعاهد التعليم العالي، الفكرة بدأت سنة 2011 عبر مراجعة جزئية للنظام الأساسي للوظيفة العمومية، حيث تم الحديث في الموضوع في  الفصل السادس مكرر ، وكان ذلك لأول مرة في تاريخ الوظيفة العمومية منذ تأسيسها سنة 1958.

هذا النوع من التوظيف الذي بدأ بالفعل، لا تضمن له أنظمة الوظيفة العمومية أي حق في ترسيم صاحبه، الأمر الذي تؤكد معه التقارير أن الخريجين والباحثين عن الشغل من المتعلمين بشكل عام يرفضونه ولا يحبذونه كخيار لبناء المستقبل، الحكومة ترى فيه إصلاحا، فيما الأطر والشباب المقبل على الشغل يعتبرونه قرارا جائرا ومضادا لأهم الحقوق الاجتماعية في بلادنا.

من عيوبه التي لا يمكن أن تخفى على مهتم أو متابع، هو أنه يشكل جسرا نحوا تكريس الهشاشة في أوضاع الموظفين بالمرفق العمومي، حيث له انعكاسات سلبية على حقوقهم في مجال الشغل، مثلما له انعكاسات سلبية على استقرار حياتهم الاجتماعية، هذا دون الحديث  عما يمكن أن يترتب عنه من تفكيك لوحدة الصف النضالي بالنسبة للموظفين، إذ يقسمهم إلى مرسمين وأعوان بالعقدة، ما سيصعب من مسألة تنظيمهم نقابيا، الأمر الذي قد تمتد آثاره إلى الأدوار التي تلعبها النقابات، حيث ستبدأ مع هجمة تداعيات القرار عليها في التواري، مشكل التقاعد من جانبه لن ينجو من التداعيات الخطيرة لهذا القرار، حيث يُتوقع أن تتعمق مشاكله.

غير أن التعليم سيكون من أكبر القطاعات المتضررة من هذا القرار المتعلق بالتوظيف بموجب عقود محددة المدة، الوزارة بررت قرارها بدعوى إصلاح المنظومة التعليمية، وكأن ضرب حق رجل التعليم في الترسيم وحرمانه من الشعور بالاستقرار هو ما سيخلق الظروف الملائمة للارتقاء بجودة منظومة التربية والتعليم العمومي.
 إن قرارا بهاته الجرأة والخطورة، يرى فيه الكثيرون من المتابعين والمهتمين بالشأن التربوي في بلادنا مخططا استراتيجيا له ارتباط وثيق بمخطط عام يهدف إلى إعادة هيكلة النظام التعليمي على قواعد جديدة تلائمه مع حاجيات الرأسمال العالمي والمحلي، وهو قرار تم التمهيد له بقرارات مشابهة، نذكر منها تشغيل العرضيين، وقرار فصل التكوين عن التوظيف..كلها قرارات تنحو نفس النحو.

عموما، وحسب المتابعين وخبراء الاقتصاد، قرار التوظيف بالتعاقد يأتي تنفيذا لسياسة مملاة من أجل خفض النفقات واستعمال المال العام ليتحول إلى محرك أساسي للقطاع الخاص.

أهمية الإحساس بالاستقرار والأمان الوظيفي:

يعتبر الأمان الوظيفي، من أهم العناصر التي تضمن النجاح في أي مؤسسة أو قطاع، بحكم ما يخلقه من ولاء وإحساس بالانتماء لدى الموظفين تجاه القطاع الذي ينتسبون إليه، مما يحفزهم على الإبداع والابتكار والتطوير وبذل قصارى جهودهم من أجل تحقيق الأهداف التي تسطرها المؤسسة أو القطاع.

جميع الدراسات تؤكد على أهمية الاستقرار الوظيفي من أجل الارتقاء بثقافة روح الفريق وإنضاج روح المبادرة وتطوير المؤسسة، الأمر الذي يفرض على حكومة ما بعد التشريعيات المقبلة  اتخاذ الإجراءات الضرورية لتعزيز الشعور لدى الموظفين بالاستقرار الوظيفي، بدءا بالاحتفاظ والاعتناء بهم، بدل اللجوء إلى توظيفهم بالعقدة التي لا تضمن حق الترسيم، ولا تخلق مناخ الإحساس بالاستقرار والأمان.

إن الاستقرار وشعور الموظف بالطمأنينة في عمله ومستقبله المهني وضمان ثباته في المؤسسة التي يعمل بها  حتى خروجه منها عند التقاعد ، هو أحد أهم المداخل الأساسية لتطوير الإدارة والمدرسة وكل المؤسسات التي تعتمد في دورتها على المورد البشري، لأن الإحساس بالأمان وعدم الخوف من المستقبل يخلقان ارتباطا قويا بين العامل ومؤسسته،  إلى درجة أنه يصبح قادرا على استشراف وإدراك فرص التقدم المتاحة أمامها، بشكل يعكس مدى التكامل بين الطرفين.

ولأن لأهمية  إحساس الموظف والعمال بشكل عام قيمة كبرى في عملية الإنتاج والتطور، يؤكد مجمل الدارسين والباحثين على ضرورة إشعار العامل في كل مناسبة بالحماية وضمان استقراره من خلال إجراءات تحفيزية،  لأن هذا الإجراء يعمل في رأيهم على تحرر الموظف من هاجس الخوف من المستقبل.

وخلاصة القول، يعتبر الاستقرار ويقين  الموظف  في بقائه في وظيفته التي يشغلها في مؤسسته وإشعاره على الدوام بالأمن والحماية، من العوامل الكبرى التي تتحقق عبرها التنمية والتطور، أما التشغيل بالتعاقد، الذي جاءت به حكومة العدالة والتنمية في نسخها المتوالية عبر الولايتين الأخيرتين فهو في رأي العديد من الاقتصاديين والخبراء الاجتماعيين والنفسيين،  مجرد ” وهم جديد” جيء به مع عهد قيادة الحزب الاسلامي للحكومة للتسويق لحلول وهمية لمشاكل البطالة وسوء الإدارة التي وصلت إلى مستويات قياسية من الرداءة وسوء التدبير والتسيب، وملفات المتابعات القضائية للعديد من رؤساء الجماعات المحلية والمسؤولين الترابيين ما هو إلا دليل على أن الإصلاح الإداري يحتاج إلى ثورة حقيقية تتجاوز بكثير “أوهام” الحكومة الحالية والتي سبقتها.

تعليقات الزوّار