الإثنين، 19 أكتوبر 2026
دولي

خلافات الحجاب وإسرائيل توتر العلاقات التركية الأذربيجانية

خلافات الحجاب وإسرائيل توتر العلاقات التركية الأذربيجانية

هوسبريس-سيداتي بيدا 

تواجه العلاقات التركية الأذربيجانية اختباراً سياسياً جديداً على خلفية خلافات بشأن قيود الزي المدرسي والحجاب، وتباين المواقف من إسرائيل، في تطورات أعادت إلى الواجهة مسألة حدود التوافق بين البلدين، رغم متانة شراكتهما الاستراتيجية وتشابك مصالحهما السياسية والاقتصادية والأمنية.

وتصاعد التوتر عقب انتقادات وجّهها أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للإجراءات الأذربيجانية المتعلقة بالالتزام بالزي المدرسي، معتبراً أنها تمس حرية ارتداء الحجاب، وداعياً السلطات في باكو إلى مراجعتها. في المقابل، رد حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم بلهجة حادة، متهماً أطرافاً تركية بالمساهمة في حملة تضليل وتشويه تستهدف بلاده، في خلاف تجاوز الجوانب التعليمية ليفتح نقاشاً بشأن السيادة الوطنية وحدود التدخل في الشؤون الداخلية.

تباين في الرؤى بشأن الدين والدولة

يعكس الخلاف اختلافاً في مقاربة العلاقة بين الدين ومؤسسات الدولة. ففي حين تتبنى أذربيجان نموذجاً علمانياً يستند إلى إرثها التاريخي والسوفياتي، يحتل الدفاع عن المظاهر الدينية، وفي مقدمتها الحجاب، موقعاً بارزاً في الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

وأعاد السجال طرح تساؤلات بشأن حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه الحلفاء في القضايا الداخلية لبعضهم البعض، خصوصاً عندما تتعارض المرجعيات السياسية والاجتماعية. فبالنسبة إلى باكو، يشكل استقلال القرار الداخلي أحد مرتكزات سياساتها، بينما ترى أوساط تركية أن قضايا الحريات الدينية تستحق إثارة النقاش على المستوى السياسي.

وزادت الخلافات بشأن إسرائيل من تعقيد المشهد، في ظل التباين بين موقف أنقرة، التي كثفت انتقاداتها للحكومة الإسرائيلية على خلفية الحرب في قطاع غزة، وعلاقات باكو الوثيقة مع تل أبيب، ولا سيما في مجالي الدفاع والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، ربطت صحيفة «يني شفق» التركية بين القيود المفروضة على الحجاب والتقارب الأذربيجاني الإسرائيلي، وهي قراءة رفضها الحزب الحاكم في باكو، معتبراً أنها تستهدف تشويه صورة السياسة الخارجية لبلاده. ويكشف هذا التباين عن اختلاف في حسابات الطرفين الإقليمية، رغم تقاطعهما في ملفات استراتيجية رئيسية.

المصالح الاستراتيجية تحدّ من التصعيد

على الرغم من حدة السجال، لا تزال المصالح المشتركة تشكل عاملاً أساسياً في الحفاظ على العلاقات بين البلدين. فقد قدمت تركيا دعماً عسكرياً وسياسياً مهماً لأذربيجان خلال حرب عام 2020 مع أرمينيا، فيما تمثل الأراضي التركية ممراً استراتيجياً لصادرات النفط والغاز الأذربيجانية المتجهة إلى الأسواق الأوروبية.

كما تكتسب أذربيجان أهمية جيوسياسية بالنسبة إلى أنقرة، باعتبارها بوابة نحو آسيا الوسطى، في وقت تسعى فيه تركيا إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة. ويجعل هذا الترابط أي تدهور واسع في العلاقات مكلفاً للطرفين، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية وتنافس القوى الدولية على النفوذ في جنوب القوقاز.

في المقابل، عززت باكو خلال السنوات الماضية قدراتها العسكرية ووسعت شبكة علاقاتها الدولية، بما يمنحها هامشاً أكبر في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية. ويؤشر موقفها من الانتقادات التركية إلى تمسكها بعلاقة تقوم على الشراكة الاستراتيجية، لا على التبعية السياسية.

مذكرة توقيف تزيد حساسية الخلاف

وزادت مذكرة التوقيف الدولية التي أصدرتها السلطات الأذربيجانية بحق الصحافي التركي جلال شيفيتشي، على خلفية اتهامات تتعلق بالدعوة إلى الانقلاب والتطرف الديني، من حساسية المشهد بين البلدين، في انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية المرتبطة بالقضية.

وفي موازاة ذلك، برزت دعوات في الأوساط التركية إلى احتواء الخلاف عبر الحوار، فيما شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على متانة الروابط بين أنقرة وباكو، في مسعى إلى منع انتقال التوتر السياسي إلى مستوى يؤثر في التعاون الاستراتيجي بين الجانبين.

وتعكس هذه التطورات صعوبة الفصل بين الخلافات السياسية والإعلامية والمصالح المتشابكة التي تربط البلدين، خصوصاً عندما تتداخل القضايا الدينية مع الحسابات الإقليمية والاعتبارات المرتبطة بالسيادة الوطنية.

اختبار لحدود التحالف

تكشف الخلافات الأخيرة أن الشراكة التركية الأذربيجانية، رغم قوتها، ليست بمنأى عن تضارب الأولويات واختلاف الرؤى بشأن القضايا الداخلية والإقليمية. فالشعارات التي تؤكد وحدة المصير والروابط التاريخية لا تلغي تباين المصالح، ولا تعني تطابق المواقف في جميع الملفات.

وبين المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، والخلافات المتعلقة بالحجاب وإسرائيل وحدود التدخل السياسي، تبدو أنقرة وباكو أمام اختبار لقدرة قيادتيهما على إدارة التباينات دون المساس بأسس التعاون الثنائي.

وفي ظل استمرار التحديات الإقليمية، سيظل احتواء التصعيد مرهوناً بمدى استعداد الطرفين للفصل بين الخلافات السياسية الظرفية ومتطلبات الشراكة الاستراتيجية، بما يضمن الحفاظ على المصالح المشتركة واحترام استقلال القرار لدى كل منهما.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً