فاجعة العيون تعيد ملف الصحة بالأقاليم الجنوبية إلى الواجهة
هوسبريس-سيداتي بيدا
أعادت وفاة المرحومين عمار أدبدا والمختار الليلي بمدينة العيون، النقاش حول واقع الخدمات الصحية بالأقاليم الجنوبية، ولا سيما قدرة المنظومة الطبية على التعامل مع الحالات الحرجة التي تتطلب تدخلاً سريعاً وتخصصات وتجهيزات دقيقة.
وبينما تظل أسباب الوفاتين ومسؤوليات ما جرى رهينة بما ستكشف عنه التحقيقات والجهات المختصة، فإن الحادثتين فتحتا من جديد أسئلة أوسع تتجاوز الوقائع الفردية، وترتبط بمدى جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الاستعجالية، وشروط التكفل بالمرضى، ومسارات الإحالة الطبية عند الحاجة إلى خدمات غير متوفرة محلياً.
ويكتسي عامل الزمن أهمية حاسمة في مثل هذه الحالات، إذ قد تتحول عملية نقل المريض من مؤسسة صحية إلى أخرى، أو إحالته إلى مدينة بعيدة، إلى تحدٍ إضافي عندما يتعلق الأمر بوضع صحي حرج. ومن هنا يبرز النقاش حول توفر أقسام الإنعاش، والأطر الطبية المتخصصة، والتجهيزات الضرورية، إلى جانب كفاءة منظومة النقل والاستجابة للحالات المستعجلة.
ولا يعني طرح هذه الأسئلة استباق نتائج التحقيق أو توجيه الاتهام إلى أي جهة، بقدر ما يسلط الضوء على ضرورة تقييم المنظومة الصحية بشكل موضوعي، والوقوف على مكامن القوة والاختلال، بما يضمن عدم تحول الحالات الاستثنائية إلى مآسٍ قابلة للتكرار.
أسئلة تتجاوز الواقعة
أعادت الفاجعة أيضاً النقاش حول العدالة المجالية في المجال الصحي، باعتبارها أحد المعايير الأساسية لقياس فعالية الخدمات العمومية. فالمسافة الجغرافية ينبغي ألا تكون عاملاً يضاعف مخاطر المرض، خصوصاً في الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً أو رعاية متخصصة.
وتطرح هذه الوقائع، في هذا السياق، جملة من الأسئلة العملية: هل تتوفر المؤسسات الصحية بالمنطقة على ما يكفي من التخصصات الطبية الدقيقة؟ وهل تستجيب تجهيزات الإنعاش والاستعجالات لحجم الحاجيات؟ وكيف تتم عمليات الإحالة والنقل الطبي للحالات الحرجة؟ وهل تتوفر سيارات الإسعاف والتجهيزات والموارد البشرية الضرورية لضمان نقل المرضى في أفضل الظروف؟
وهي أسئلة لا ينبغي أن تبقى محصورة في لحظة الغضب أو الحزن التي ترافق مثل هذه الأحداث، بل يفترض أن تتحول إلى مدخل لتقييم موضوعي وشامل للمنظومة الصحية المحلية.
التحقيق أولاً والإصلاح ثانياً
وتبقى الأولوية، في هذه المرحلة، لكشف جميع ملابسات الواقعتين من خلال تحقيق مهني وشفاف، يحدد تسلسل الأحداث، وظروف التكفل الطبي، ومسار الإحالة إن وُجد، ويكشف أي اختلالات محتملة، مع ترتيب المسؤوليات وفق ما تثبته المعطيات والوثائق الرسمية.
لكن أهمية التحقيق لا تتوقف عند تحديد المسؤوليات؛ إذ إن قيمته الحقيقية تكمن أيضاً في استخلاص الدروس وتحويلها إلى إجراءات عملية، سواء تعلق الأمر بتعزيز الموارد البشرية، أو تطوير أقسام الاستعجالات والإنعاش، أو تحسين منظومة النقل والإحالة، أو دعم المؤسسات الصحية بالتجهيزات والتخصصات التي تفرضها حاجيات المنطقة.
فالرهان لا يتعلق فقط بالتعامل مع تداعيات واقعة بعينها، وإنما ببناء منظومة قادرة على الاستجابة السريعة والفعالة عندما يتعلق الأمر بحياة المواطنين.
وفي الأقاليم الجنوبية، كما في باقي مناطق المملكة، يظل الحق في الولوج إلى العلاج والخدمات الصحية الملائمة مرتبطاً بقدرة المؤسسات على ضمان التكفل في الوقت المناسب، وبناء شبكة صحية تستجيب للتحولات الديمغرافية والجغرافية وحاجيات السكان.
وبذلك، قد تشكل هذه الفاجعة مناسبة لفتح نقاش مسؤول حول واقع الصحة بالمنطقة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو المزايدات، وبهدف واحد: تحويل الأسئلة التي تطرحها المأساة إلى إصلاحات ملموسة تضمن ألا يصبح الزمن والمسافة عاملين إضافيين في معاناة المرضى.
التعليقات