قوانين أكبر من مقاس الأحزاب

محسن الأجرومي باحث في القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط

طبيعي جدا أن لكل حزب سياسي بعد فكري وثقافي معين، كما أن له برنامج سياسي انتخابي يسعى إلى تسويقه بغرض الحصول على تأييد شعبي يخول له ممارسة السلطة السياسية وتدبير الشأن العام. لكن ليس دائما ما يشكل هذا الأمر معيارا يأخذ به الناخب أثناء عملية الاقتراع، وهو ما يفسر أن تقدم أو تخلف الوعي السياسي للمجتمع هو المحدد الرئيسي لنوعية النخبة السياسية التي تفرزها الانتخابات. فكثيرا ما يتم استغلال ضعف وحاجة المواطنين لتحقيق رهانات انتخابية، ويتم بدل تسويق الافكار والبرامج، توظيف المال والنفوذ، ما ينتج بالتبعية في الكثير من الأحيان، نخبة غير مؤهلة فكريا وثقافيا لممارسة وظيفة التمثيل.

لذلك فأن نكتفي اليوم بالعمل على تطور النص القانوني لوحده بغرض تقوية مؤسسة البرلمان، أمر غير كافي، ولا ينقص من حدة الأزمة التي أصبحت تعاني منها الديمقراطية التمثيلية، لأنه وبكل بساطة، الأمر بأكمله لا يعدو أن يكون أكثر من أزمة للسياسة وأزمة للسياسي الذي ينسى وعوده ولا يضع في ذهنه معنى التمثيل ومسؤولة تمثيل المواطن، فإشكال التمثيلية الأكبر لا يكمن بالأساس في البعد الإيديولوجي، بل في البعد الأخلاقي بشكل عام، أي في ذلك الانقطاع النسبي بين الناخب والمنتخب، وفي عدم احترام طبيعة التفويض الشعبي بعد الحصول عليه. وهنا لا نتحدث فقط عن الوعود الانتخابية، ولكن أيضا عن الطريقة التي تتصرف بها الأحزاب الفائزة بهذا التفويض الشعبي، والتي تحوله في حالات عديدة من أغراضه الأولى، والاعتقاد بأن الانتخاب هو صك على بياض. لذلك فأزمة التمثيلية من زاوية أخرى هي أزمة أحزاب سياسية، وأزمة عدم استحضار منطق الكفاءة والنزاهة في عملية اختيار المرشحين، فحين تجلس هذه الأحزاب السياسية على طاولة النقاش وهي تحضر لانتخابات عامة، فإن أول سؤال يطرح، من القادر على تمويل حملته الانتخابية والظفر بالمقعد النيابي؟ بغض النظر عن طبيعة هذا الشخص، وهو الأمر الذي يظهر نية هذه الأحزاب في البحث فقط عن تقوية تمثيليتها داخل المجلس لتصح قوة سياسية مؤثرة على مستوى المفاوضات، خصوصا تلك المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية، التي تخول لها حق المشاركة في تدبير الشأن العام، والحصول على حقيبتين أو ثلاث، حتى ولو كان الأمر على حساب تضعيف المؤسسة التشريعية، وملؤها بأشخاص يفتقرون للحنكة والكفاءة اللازمة لممارسة وظيفة التمثيل وسن القوانين.

لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لن يتم إلا إذا عملت هذه الأحزاب السياسية على تجاوز مقاربتها الأنانية في اختيار المرشحين، وتجاوز منطق من يضمن المقعد؟ ومن له القدرة على الإنفاق؟ وأيضا منطق الولاء للحزب ومدة النضال معه، لإن هذه المقاربة هي السبب الرئيسي في الأزمة، وهي السبب الرئيس أيضا وراء تنامي معدل العزوف السياسي، خاصة لدى الشباب الذين لا تمنح لهم الفرص، وتكتفي هذه الأحزاب السياسية بشحنهم بالشعارات الفضفاضة، حتى يحضروهم لأن يصبحوا أداة انتخابية بامتياز، توظف زمن الحملات الانتخابية. فالمعركة الحقيقية ليست الانتخابات، وإنما إعادة الثقة لدى المواطن في العمل السياسي والمؤسسات السياسية، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة تدوير وإنتاج أحزاب قوية بقيادة جديدة منتخبة وبطرق ديمقراطية، تحمل فكرة تدافع عنها وتعمل من أجلها. فمشكلة المواطن اليوم ليست مع النظام أو مع المؤسسة الملكية، وإنما مع باقي الفاعلين السياسيين الأخرين، الدين يسوقون صورة سلبية عن السياسة وعن الممارسة السياسية، لا نقول هذا تقليلا من شأن الأحزاب والفاعل السياسي، وإنما تأكيدا على الدور والمجهود الكبير الذي ينتظرها، حتى تعمل على التطبيق السليم والديمقراطي للدستور، لأنه وبكل صدق في إطار دستور 2011 أضحى وكأننا أمام دستور أكبر من مقاس هذه الأحزاب.

إلى جانب كل هذا يجب أن تولي الأحزاب السياسية أهمية أكبر من ذي قبل لتوسيع مشاركة الجميع في الحياة السياسية والحزبية على وجه الخصوص، وتعزيز الشفافية ووضع الإجراءات الوقائية داخل هذه المؤسسات لكسب ثقة المواطنات والمواطنين، مع مواكبة تأطيرهم وتوفير فضاء خصب للنقاش لهم، من خلاله يجدون فرصة لطرح أفكارهم وأراءهم بخصوص كل ما يهم الحياة السياسية، وينتقدون من خلاله أيضا السياسات العمومية التي يرون أنها لا تتناسب مع مطالبهم.

وإذا كنا اليوم بصدد مناقشة الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، فيجب أن نستحضر ثلاث نقط أساسية بدونها لا حديث عن الإصلاح:

أولا: فرض معايير وشروط ضروري توفرها في الأشخاص الذين تقدمهم الأحزاب السياسية ليترشحوا باسمها، على الأقل توفر مستوى علمي وفكري كافي يؤهل لممارسة وظيفة التمثيل؛

ثانيا: فرض ضرورة تخصيص نسبة معقولة من مجموع الدوائر الانتخابية، لترشح من خلالها الأحزاب السياسية، الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، كوكلاء لوائح، وليس وضعهم وسط أو أسفل اللائحة فقط لجلب الأصوات؛

ثالثا: توسيع دائرة التنافي لتشمل كل الوظائف التمثيلية، بحيث لا يحق الجمع بين عضوية البرلمان ووظيفة تمثيلية أخرى.

اترك تعليقاً