يسرا الميموني تكتب: وداعا البيجيدي

 

“حان الوقتُ لنشر هذه التدوينة التي تحفظتُ عن نشرها قبل أشهر.. ليس خوفا من الحقيقة أن تعرف، أو من الواقع ألا يقع، وإنما في انتظار الشتاء حتى تكون الرحلة ممتعة مع المطر وهي تروي أرضا تركها الصيف قاحلة مقفر.

‎بعد سنوات من انتمائي الفكري والقلبي مع شبيبة وحزب العدالة والتنمية، سنوات قضيتها فداء لمؤسسة علّمتني ممارسة السياسة، أو بتعبير أدق تعلمت منها ممارسة السياس،

لكنني الاَن وبعد تأن كبير، ونظرة فاحصة، وقراءة متدبرة، أُعلن بكل قناعة مغادرتي هذه المؤسسة.

من حسنات السياسة أنها ربّت فيّ شخصا كاملا ينطلق من العقل لا من العاطفة ، ومن الواقع لا من الخيال، حتى اكتشفتُ المستور ولم يعد للعين ريبة.

مسارٌ لا بأس به خرجتُ فيه على أن الرأسمال البشري الحقيقي  يعتمد على حسن اختيار الأفراد، وأن تسييس المناصب ليس فيه صلاح للوطن؛ فجائحة كورونا كشفت لنا تراكمات السنين، وأن المعالجة تحتاج إلى قرارات ومواقف جريئة، إذ تُلغى هيئات ونأتي بمنظور جديد، إذ أن الطاقات المتجددة التي يجب على الدولة والأمة الاستثمار فيها هي طاقة الانسان ووعيه وإبداعه؛ وتحرير هذه الطاقة لا يكون إلا بشرطين: الحرية والعدل، أما الطاقات الأخرى من طاقة شمسية وغاز ونفط فقد عادت علينا بالوبال بسبب غياب مصدر الطاقة الأولى.

فالشخصية الوازنة والفاعلة، مترفعة عن الخصومات والجدالات؛ ليس فقداناً منها للإحساس، بل لأنها مشغولة البال بأعمالها؛ فتضنّ بفكرها أن يُصرف في غير ما يجدي، ولو لم يكن من الإنجاز إلا أنه يُشغل صاحبه عن التفاهات والقيل والقال؛ لكفى بها من فائدة.

في الإصلاح والتغيير يفتقد الأغلب لعمق التجربة والتوجيه الصائب للشباب، ولذلك كان من الخطأ طغيان بعض الأنشطة الثانوية على البرامج التوجيهية المركزة.

في مساري المتواضع كشابّة، آمنتُ أن بعض النفوس المريضة إذا اعتدت مخالطتها لا تكاد تسلم من آثارها التي تنقلها إليك، فإما أن تحيطك بمخاوف تعيق تقدمك، أو تبخس مجهوداتك وتخرج من عندها مستاء الخاطر.

مازلتُ أؤمن أنه لا تزال فرصة التغيير قريبة مني ما دامت خطاياي البسيطة لا تتجاوزني ولم تصل إلى حد الاعتداء على حقوق الآخرين، أو تشريع باطل يُلبّس الشريعة على الناس، أو المجاهرة بسوء..البعض للأسف من منصب القيادة يحرثون بالمناضلين سنوات فإذا وصل وقت الحصاد وجد الجد يقولون له: أنت الوسيلة ونحن الغاية فإذا تحققت الغاية فلا حاجة للوسيلة..

 قمت بإظهار نفسي كالفاعل لا كالمفعول به لأنهم قوم يعيشون من أجل أنفسهم أما الشعارات الفارغة والعناوين المزخرفة فهي سلعة كاسدة في سوق الحقيقة والجوهر ..

‎وصلت بي سفينة العدالة والتنمية إلى طريق مسدود حيث لا أمل يرجى ولا نور ينتظر، لأن هناك من تعمّد أن يكسر مجاديف السفينة وما أكثرهم، لكنني طبعا مستمرة بخطى ثابتة بسفينة أخرى لا أعلم عنها شيئا، لكنها على الأقل تُبحر بمُحرّك أقوى، المهم ألا نخرج عن البحر ونحن نمتلك من القدرات والشجاعة ما يجعلنا نخوض المحيطات.

لستُ قنطرة يعبر بها البعض فوقي، لكن هناك من حاول البول في زمزم فلما سئل عن السبب قال أريد أن أدخل التاريخ، لكأن البعض يريد أن يختصر الطريق لنيل المناصب والفوز بالألقاب والذي يكشف نفسا أمارة وقلبا خبيثا يتستر تحت عباءة النصح والإرشاد..

‎النضال في سبيل حزب العدالة والتنمية كان تجربة ثرية بالمحبة و المودة والعطاء، إلاّ أنها كانت تعلو عليها المرارة في بعض الأحيان بسبب بعض المتملقين والاستغلاليين والانتهازيين، فاستقالتي ليست تهرباً من مواجهة الصعوبات أو عدم القدرة على مواجهة الحانقين الذين يضعون العقبات أمام طريق النجاح، بل هي نافذة أخرى أفتحها نحو قبلة أخرى لعل صلاتنا من أجل النجاح والكفاح تكون مقبولة ومرضية ومثمرة بعيدا عن الفلسفة والمنطق، إن ولائي للعدالة لا يعني ولائ لبعض الأفعال الجائرة والتصرفات غير العادلة، تلك الغيرة وحدها تجعلني أكتب لكم وكل حرف يحمل أطنانا من الأسف والحسرة ، ويحكي قصة من الألم،  بسبب ما يصدر من بعض الأشخاص ممن ينتظر منهم أن يكونوا حجة مثالية على من يقع على الجرح والذمل ويتتبع عورات الحزب،  لا أن يكونوا حجة لهم يصفعون بها وجوهنا، أخيرا في الحروف لا العتاب واللوم أقول : إن أي تصرف غير لائق ولا مسؤولي لستم فيه أحرارا تتصرفون فيه كما يملي عليكم هواكم ..”فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.”

ما وراء ستار الاستقالة، حقّا كنتُ قاسية قليلا في بعض مواقفي،  ولكن ذلك من خلال منطلق النقد السليم ولولا غيرتي على المؤسسة الحزبية التي انتميتُ لها  وحرصي على نجاحها لما كتبت عنها، إن الذي يحب شخصا هو الذي يهدي له عيوبه ليصلحها، لا أنه ينافقه ويداهنه ويتصنع الابتسامة أمامه ويصفق له لكل بيضاء أو صفراء حتى ينال رضاه، لطالما وهبت من وقتي ومن راحتي وسعادتي خدمة لهذا المشروع.

  • إن المؤسسة التي لا تقبل النقد حري بها أن ينخرها العباب من كل جانب، يصعب علي أن أبقى في مؤسسة ترفض النقاش وتتجاهل النقد السياسي وتتجه نحو الشخصنة، فقط لأنني أعلنتُ موقفي وصدحت به ملء الفم والشفتين، علاوة على الذباب الإلكتروني الذي يتطوع لمهاجمتي في كل موقف من كل حذب وصوب حين تقدمتُ ببعض المواقف الجريئة، ونعتت بعض المناضلين بالبيادق، مع الشرح والتفسير، أن البيدق هو أساس الرقعة ولكن الحلقة الأضعف، مما يعني أن المناضل هو أساس الحزب ولكنه ضعيف على مستوى صنع القرار، لأننا في حزب لا يقبل النقاش في أصله.
  • كان انتمائي لمحلية طنجة المدينة صدمة اكتشاف أو لنقل اكتشاف الصدمة عند الشبيبة خاصة؛ ضعف مهول في التواصل والخبرة، ونقص شديد في أفكار الشباب أو بالأحرى ” الفكرة الشابة” ناهيك على أن المقر تزوره الأشباح أكثر من زيارة الأعضاء له.. المقر غير مفعل للأنشطة ولا الندوات، فوجدتني أسبح بأفكاري وأتلاطم مع واقع آخر.
  • بعد خرجاتي الأخيرة، ظهر معدن بعض الأفراد؛ أينهم من الإنسانية وقد تعلّموا من الذئب غدره ومن الأفعى خداعها.
  • انشقاق وانقسام الحزب إلى تيارين أثّر على أداء الحكومة الحالية، فلم نعد نعرف هل هو حزب أفراد أم مؤسسات، حينها يصبح المناضل أسيرا لأسئلة المواطن ولإجاباته أيضا، إضافة الى أن المشروع الذي كان ينص على الوضوح والشفافية يعانقه الآن كوكطيل من الضبابية والغموض -ما بين النَّزاهة والنْزاهة-
  • كيف لحزب لم يصلح بيته الداخلي أن يقوم بالإصلاح الخارجي؟ كأن بعض أفراده في حلبة ملاكمة، تسعى إلى تصفية حسابات شخصية وسياسية..
  • فرق بين الانتقال الديمقراطي والديمقراطية، إذ لا توجد طبعا ديمقراطية مع الآخرين بدون ديمقراطية داخلية، أي أن الحزب الذي لم يشتف من العلل لا يمكن أن يطبب مجتمعا يشتكي “تصف الدواء لذي السقام وأنت سقيم”.
  • استغلال بعض المناضلين الشرفاء وتحويلهم إلى كراكيز وقطيع في سبيل التعبئة وتنمية الاقتصاد الجيبي ومصلحتهم الكرسية -لا كانوا جنودا ولا قادة-
  • جناح العدالة والتنمية وخزانها الانتخابي هي حركة التوحيد والإصلاح التي نشأتُ فيها وترعرعت، والواقع أنه لا يوجد إشكال في تحرير السياسة من الدين، ولكن الصائب أن نحرر الدين من القبضة السياسية، لأن بعض الأفراد للأسف يستغلون الدين كي يبرروا الفساد داخل التنظيم.

‎أخيرا لا أنسى أن أتذكر بجميل الذكر وحسن الثناء بعض النجوم التي أشرقت في سماء هذه المؤسسة رغم شدة الظلام وأناروا دروبنا طيلة وجودنا في سمائهم ؛ ولا يزالون يمنحون لنا من الحب ما يجعلنا نقاسمهم أسمى شعور الحب والأخوة وأرقى مشاعر الود والصداقة ، هؤلاء الذين مروا وقد تركوا بصمة في قلوبنا تشهد على حسن سيرتهم، وطيب خلقهم، وصفاء قلوبهم، وجميل كرمهم، وهم أجدر بقول القائل: ‎حلف الزمان  ليأتين  بمثلهم …..حنثت يمينك يا زمان فكفر”.

اترك تعليقاً