رزق المدني يكتب: دروس من الإنتخابات الأمريكية

رزق المدني كاتب صحافي مصري مقيم في المغرب

السلطة الرابعة “الإعلام” لا أحد يستطيع أن ينكر مدى جبروت سلطتها وسطوتها و إمكانياتها في التأثير على الرأي و المزاج العام وقدرتها على تغيير الحقائق، بل و الوعى الجمعي للشعوب . صحيح هذه القدرة تختلف من مجتمع لآخر بحسب درجة مستوى التعليم و الثقافة والفعل السياسي.

ساضرب هنا مثالين. الأول دور الإعلام حين يسخره الحاكم ويمتطيه لتنفيذ افكاره من خلال الضرب على وتر بعينه فيدغدغ أحاسيس العامة فيتكون لدي المجتمع توجه عام يسهل معها السيطرة عليه و النيل من قدرته على التفكير الصحيح والسطو على مصيره.
ليلة أمس كنت أستمع بالصدفة لفيلم الماني “مترجم” عن الحرب العالمية الثانية وشدني حوار بين أحد جنرلات الجيش الألماني ووزير الدعاية الحربية جوبلز أثناء اقتحام القوات الروسية برلين “العاصمة”..الجنرال: ماذا سنفعل بالمدنيين و القوات الروسية تتقدم نحو الأجزاء الشرقية للمدينة؟. جوبلز نظر إليه نظرة استهزاء …. لا مكان للمدنيين في المعارك!. سيدي من الضرورى إيجاد طريقة لإبعادهم عن مرمى المدفعية الروسية..صرخ في وجهه ..قلت لك لا تتحدث معي عن المدنيين فليتحملوا مصيرهم، ألم يعطوننا تفويضا، وبالتالي لا يحق لهم الإعتراض فيما نفعل !
نعم نجح إعلام جوبلز الحربي في جعل الشعب الالماني وقودا للحرب و قطيعا يوجهونه حيث اراد الفهرور، فتحول من كتلة نشطة متحركة مؤثرة تغير و تتفاعل إلى كتلة صماء مسلوبة الإرادة مفعول بها، فألحق بها عارالهزيمة سنة 1945 على يد قوات الحلفاء .

المثال الأخر: 
اربع سنوات و هو يمشي متبخطراً كالطاووس مزهوا بما قدمه للإقتصاد و فرص العمل ولم يتوقع خسارته مؤخراً على يد منافسه جو بايدن. ستشكل هزيمة السيد ترامب درساً قاسياً لمن يناصب الإعلام العداء و الإزدراء.
فمنذ أن أعلن السيد ترامب ترشحه للإنتخابات سنة 2015 ولا يترك مناسبة إلا ويحتقر الإعلاميين وكبار الكتّاب و الصحفيين، مساحة العداء إتسعت بين الطرفين إلى درجة أن معظم وكالات الأبناء و الصحف أصبحت تعاديه بإستثناء محطة فوكس نيوز التي اولاها مؤتمراته وأخباره. ولأن الولايات المتحدة تتمتع وسائل الإعلام فيها بالحرية ولا يوجد سلطان لحاكم او رقيب عليها راحت تنتظر كل هفوة و سقطة لترامب و تضخم منها و تنشر استطلاعات الراي التي تشير إلى تقدم منافسه حتى وإن كانت هذه الإستطلاعات غير دقيقة، لكن الهدف الرئيسي كان هو الإيحاء أنه لا مفر من هزيمة ترامب، و بالتالي زرع الإحباط في نفوس المؤيدين لترامب، ناهيك عن وقوف شركة تويتر له بالمرصاد كلما غرد بمغالطات اثارت حفيظته بالتنويه للمغالطات التي جاءت بها. الضربة الموجعة التي أظهر بشكل جلي عداء الفضائيات ووكالات الأنباء له حين عقد مؤتمراً صحفيا أثناء فرز الأصوات و ادعي فوزه، هنا قطعت معظم القنوات البث ولم تكمل حديثه وكانت أكبر الطعنات من محطة فوكس نيوز التي خرجت وأكدت فوز بايدن باصوات ولايتي بنسلفانيا و مشيجن فوجهت له ضربات إستباقية .
إذا كان لوسائل الإعلام الدور الكبير في إسقاط دونالد ترامب لأنه لم يستطيع أن يرودها لمصلحته، بل ناصبها العداء في مجتمع منفتح لا يمكنك السيطرة على الكلمة أو الصورة. فكان جزاؤه السقوط المدوي.

اترك تعليقاً