الرئيسية / الرأي / الغش في الامتحانات… سلوك انحرافي يضعف مصداقية التعليم

الغش في الامتحانات… سلوك انحرافي يضعف مصداقية التعليم

هوسبريس 

أصبح الغش في الامتحانات من الظواهر المقلقة جدا، حيث يتم تسجيل أرقام صادمة كل سنة، تؤكد أنه بالفعل يجب أن يقلق المغرب بخصوص واقع المنظومة التعليمية في بلادنا وآفاقها، لما ينطوي عليه الأمر من مخاطر ومشاكل تهدد مستقبل التعليم، ومعه المجتمع برمته، لأن الطالب الذي تعود على الغش في امتحاناته، يكون بلاشك فردا سلبيا وغير فاعل في مجتمعه، لا يمكنه الاعتماد على نفسه، ولا يمكن لغيره أن يعتمد عليه، تكون ثقته في نفسه شبه منعدمة.

وهو، أي الغش، خيانة للنفس وللآخرين، يبدأ في الامتحانات و ينتهي إلى مناحي أخرى في الحياة، لا يرتبط بسلك معين من أسلاك التعليم، وإنما بات يكتسح جميع مراحل التعليم في بلادنا، فحتى المرحلة الجامعية لم تعد بمنأى عنه، فكم من طالب قدم بحثا أو شيئا من هذا القبيل، لم يبذل فيه أي جهد غير إضافة إسمه.

إنها ظاهرة تعبر عن سلوك انحرافي، يهدد بهدم أحد أهم أركان العملية التعليمية، ويتعلق الأمر بالتقويم، إذ يعد الغش بمثابة تزييف لنتائج التقويم، الأمر الذي يضعف  مصداقية النظام التعليمي، ويحد من فاعليته كمشتل لصناعة مسؤول الغد.

الأسباب التي أفرزت هذا الواقع البئيس، عديدة، يراها البعض في نمط التنشئة الاجتماعية التي تلقاها التلميذ، بينما يراها البعض الآخر في النظام التعليمي وفي عناصر التعليم، بدءا بالمدرس نفسه، إلى جانب عدم وضوح المناهج الدراسية.

غير أنه يبدو أن القسط الأوفر من المسؤولية، يجب أن يتحمله الآباء الذين يهملون متابعة أبنائهم، ويعولون على إدارات المؤسسات التعليمية لتقوم بواجب التربية والتعليم، في الوقت الذي يجب أن يكون لهم الدور الأهم في التربية والرعاية مع الحرص على التواصل المستمر مع المؤسسة التعليمية، من أجل توفير ظروف التحصين والحماية من الوقوع في داء التعويل على الغش لربح الامتحان.

الحكومة من جانبها، جاءت بقانون لمعاقبة الغشاشين والنقالين في الامتحانات المدرسية، قانون تراهن عليه للحفاظ على مصداقية المدرسة وعلى ما تعطيه من شهادات، تتراوح في العقوبات التأديبية في حق كل من ضبط متلبسا في الغش بين صفر في المادة التي ضبط فيها، والإقصاء من اجتياز الامتحان لمدة سنتين دراسيتين متتاليتين، بالإضافة إلى العقوبات الجنائية، وهي عقوبات حبسية تتراوح بين الحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة مالية، وتسري العقوبة، على حالات تبادل المعلومات كتابيا أو شفويا بين المرشحين، وحيازة أو استعمال آلات ووسائل الكترونية أو وثائق أو مخطوطات غير مرخص بها داخل فضاء الامتحان، إلى جانب حالات الغش المستند على قرائن، والتي يتم رصدها من لدن المصححين.

غير أن هذه المقاربة التأديبية، لا تعفي الحكومة ومعها كل الفاعلين التربويين والمعنيين بالشأن التعليمي حسب المهتمين من البحث في مقاربات أخرى، لأنه  كما يرى أحد الأساتذة الجامعيين، وهو الأستاذ جمال بن دحمان: ” أن يعم الغش منظومة ما فمعنى ذلك أن خللاً شاملاً قد مس الأسس. هذه القاعدة تنطبق على التعليم لأنه مجرد مكون ضمن المنظومة العامة للمجتمع التي عرفت في العقدين الأخيرين تحولات كبيرة، إذ لم تعد الكفاءة معياراً، ولم تعد الجدية مقياساً للتصنيف، ولم يبق للنزاهة موضعا اعتباريا أمام هيمنة الانتهازية والوصولية والرغبة في تحقيق المكاسب خارج دائرة الاستحقاق، بل وخارج وتيرة الزمن الذي تتطلبه كل مرحلة”.

وبهذا المعنى تكون ظاهرة غش الطلبة في الامتحانات المدرسية والجامعية، ليست سوى إحدى المظاهر الخارجية المعلنة لأزمة ما في عمق المجتمع المغربي، دون أن يعني ذلك بطبيعة الحال إعفاء  الفاعل الحكومي أو الوصي على التعليم بشكل عام من الاشتغال على طرق تطوير الصيغ التعليمية التي تتيح اختبار الكفاءات وليس المعلومات، لهذا فإن القرار الفوقي أو المقاربة الأمنية، ليست من الأمور القادرة لوحدها على معالجة المرض الذي اجتاح التعليم، بل لابد من ترسيخ قيم وسلوكات مدنية جديدة ودائمة تبعد شبح ثقافة الاعتماد على “النقلة” والغش من نظامنا التعليمي.

تعليقات الزوّار