الرئيسية / الرأي / المغرب العميق.. جرح غائر فمن يوقف النزيف؟!

المغرب العميق.. جرح غائر فمن يوقف النزيف؟!

  سليمان عطو

عندما تصاب السياسات العمومية بعطب أو خلل مستعصي على الفهم، يأخد الصوت الإحتجاجي الكلمة، حينها يتكلم أبناء الهامش من المغاربة المنسيين، في قرى ومداشر و مدن المغرب العميق، عندها لا يمكن للفاعل السياسي أن يسكتهم بسهولة مهما قدم لهم من برامج  وخطط عمل وخطابات جوفاء تنحث كلماتها بلغة الخشب المثقلة بالوعود التي لا تغني ولا تسمن من جوع أمام هوْل التهميش والإقصاء، الذي ينخر جسد هذا المغرب البعيد هنا فوق قمم وتحت سفوح جبال الأطلس الكبير.

قد يبدو للناظر لواقع الحال في قرى ومدن الجنوب الشرقي لهذا الوطن الفسيح، على سبيل المثال لا الحصر، أن ثمة خلل ما في المقاربات المتعددة الأوجه، التي تنهجها الجهات الوصية والمجالس المنتخبة الممثلة لنفوذ ومؤسسات الدولة، بصرف النظر عن التمثل القديم الذي تختزله كلمة “المخزن” بحمولتها التقليدية الحاضرة إلى يوم الناس هذا، تمر الأيام كما الشهور لتطوي صفحاتِ سنواتٍ عنونها الأبرز مناطقٌ تقبع ساكنتها في غياهب العزلة والإقصاء، في مناطق جبلية وعرة ومجالات شاسعة يغلب عليها المناخ الصحراوي والجبلي، أقل ما قد يقال عنها أنها غنية جدا بالموارد الطبيعية السطحية والباطنية، التي قد تكفي إن استغلت بشكل عقلاني أن تلبي حاجات وضروريات المنطقة برمتها لعقود قادمة، وتجيب عن كل الأسئلة التنموية العالقة وقد تعالج مختلف التحديات التي تحول دون تحقيق التنمية المنشودة والعيش الكريم لهؤلاء المواطنين والمواطنات، الذين يأملون في غذ أفضل، تشرق معه شمس التنمية والكرامة الإنسانية على أهالي أسامر أو الجنوب الشرقي للوطن، الذين يدركون أنه عندما تغيب التنمية المنشودة فإن سياسة الترميق و الترقيع تعوض التنمية الغائبة..

قد يقول قائل ما الذي يدفع هؤلاء المغاربة البسطاء إلى الخروج في مختلف الأشكال الإحتجاجية في مناسبات عدة، للتعبير عن حقوق مغتصبة أو عن مشاريع موقوفة التنفيذ أو عن صفقات مشبوهة تقض مضجع المواطن الأسامري، إلى رفع شعارات ومطالب قوية تكشف بما لا يدع مجالا للشك، أن ثمة خلل عميق يعبر عن عقم السياسات العمومية وعجزها عن تقديم الإجابات المقنعة ومجابهة الأسئلة الحارقة والمطالب التي يسمع صداها في عصر الصوشل ميديا من آخر قرية نائية بمرتفعات الأطلس إلى قلب العاصمة الإدارية و السياسية الرباط، هناك في ذلك المركز البعيد القريب تقف السياسات العمومية والإستراتجيات الرسمية، عاجزة عن وقف النزيف الحاد الذي يعبر عن الجرح الغائر لمواطنة المغرب العميق.. لعلها صرخات وإحتجاجات تصدح من حناجر البؤساء، أحفاذ الأجداد المقاومين الأشاوس، الذين إنتفضوا عن بكرة أبيهم في غير ما مرة، للتعبير عن رفضهم الخضوع والخنوع للغازي، ووقفوا خلالها بالمرصاد للإستعمار الفرنسي، هؤلاء الأحفاذ الذين يغردون اليوم خارج السرب حسب ذوي القراءات السطحية ومعتنقي مذهب “العام زين” الذين يبصرون مظاهر الحداثة والبنيان في حواضر المركز ومدن المغرب الرسمي، وتراهم صمٌ بكمٌ عميٌ أمام معاناة مغاربة المغرب العميق!!.

 

كلما تجددت المناسبات ونظمت المظاهرات، ورفعت اللافتات، وأطلقت الصرخات من حناجر متعطشة لغد أفضل ومستقبل آخر، لعله الأمل الوحيد الذي يستطيع أن يسدل ستار مسرحية، تلعب فصولها مند عقود على ركح قرى ومداشر الجنوب الشرقي للمملكة، أو أسامر كما يحلوا لكثيرين من أبناء هذه الربوع من مغربنا العميق..

كتب بتــاريخ: 11 فبراير 2019

تعليقات الزوّار