الخميس، 22 أكتوبر 2026
مجتمع

جماعة الصباح.. هدم الطابق الثالث بين شبهة الحسابات السياسية وسؤال التسوية بدل الهدم

جماعة الصباح.. هدم الطابق الثالث بين شبهة الحسابات السياسية وسؤال التسوية بدل الهدم

هوسبريس-خالد غوتي

أعادت عمليات هدم عدد من الطوابق السكنية بجماعة الصباح، بإقليم الصخيرات تمارة، النقاش حول كيفية التعامل مع مخالفات البناء، وحدود التوفيق بين فرض احترام القانون ومراعاة الأوضاع الاجتماعية والإنسانية للأسر المتضررة، خصوصاً أن هذه العمليات همّت بنايات شُيّدت حديثاً، خلال شهري يونيو ويوليوز الماضيين، في مشهد خلّف، بحسب ما يُتداول محلياً، حالة من الصدمة والحزن وسط عدد من الأسر.

وتفيد المعطيات المتداولة بأن إرسال صور ومقاطع فيديو إلى مقر العمالة دفع إلى إيفاد لجنة عاملية إلى عين المكان، حيث جرى الوقوف على مخالفات مرتبطة بالبناء، من بينها تشييد الطابق الثالث بعدد من المنازل. غير أن قرار اللجوء إلى الهدم، بدل البحث عن حلول قانونية بديلة متى كانت متاحة، يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المقاربة المعتمدة، ومدى استحضارها للأبعاد القانونية والاجتماعية والإنسانية لهذه القضية.

هل كان الهدم هو الحل الوحيد؟

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل استنفدت جميع الإمكانيات القانونية الممكنة قبل اتخاذ قرار الهدم؟ وهل جرى بحث إمكانية تسوية وضعية بعض هذه البنايات، متى كانت القوانين والضوابط العمرانية تسمح بذلك، مقابل أداء الغرامات المستحقة واستيفاء الشروط التقنية والإدارية اللازمة؟

فالمسألة لا تتعلق بالدفاع عن البناء دون ترخيص، ولا بالتشجيع على مخالفة القوانين المنظمة للتعمير، وإنما بطرح سؤال مشروع حول إمكانية اعتماد حلول متوازنة تجمع بين احترام القانون وتفادي الأضرار الاجتماعية والمادية التي قد تنجم عن تطبيقه بطريقة لا تترك مجالاً للمعالجة أو التسوية، حيثما كان ذلك ممكناً قانوناً.

جيران بأربعة طوابق

ومن بين أكثر الصور إثارة للتساؤل في هذه القضية، وجود منازل مجاورة تتكون من أربعة طوابق، في الوقت الذي وجد فيه بعض أصحاب المنازل المستهدفة بالهدم أنفسهم أمام قرار إزالة الطابق الثالث من بناياتهم.

وقد يُقال إن تلك المنازل المجاورة شُيّدت منذ سنوات، وإن وضعيتها تختلف عن وضعية البنايات التي أُحدثت مؤخراً. لكن هذا التفسير، إن صح، لا يلغي الحاجة إلى توضيح الوضعية القانونية لتلك المباني، ومدى مطابقتها لتصاميم التهيئة والرخص المعمول بها.

فهل تتوفر جميع هذه المنازل على التراخيص القانونية اللازمة؟ وإذا كانت وضعيتها قد سُوّيت وفق المساطر الجاري بها العمل، فهل تسمح الضوابط نفسها، أو مساطر قانونية أخرى، بدراسة ملفات المنازل الجديدة وإمكانية تسوية وضعيتها؟ أم أن لكل حالة خصوصياتها التقنية والقانونية التي تبرر اختلاف القرارات المتخذة بشأنها؟

إنها أسئلة تستحق أجوبة واضحة من الجهات المختصة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، حتى لا يتحول اختلاف المعاملة في نظر الساكنة إلى شعور بالتمييز أو غياب الإنصاف في تطبيق القانون.

المسؤولية ليست في الهدم وحده.. بل في البحث عن الحلول أيضاً

إن المسؤولية الإدارية لا تُقاس فقط بمدى القدرة على فرض القانون، بل كذلك بمدى القدرة على تدبير المخالفات وفق مقاربة تستحضر المصلحة العامة، وتحمي حقوق المواطنين، وتبحث عن الحلول القانونية الممكنة قبل الوصول إلى أقصى الإجراءات.

فحين تُطرح قضية بناء مخالف، يصبح من الضروري التمييز بين الحالات التي لا تسمح القوانين بتسويتها، وتلك التي قد تكون قابلة للمعالجة وفق شروط محددة. وفي الحالة الثانية، فإن دراسة إمكانية التسوية، مع فرض الغرامات واحترام شروط السلامة والتعمير، قد تشكل بديلاً أقل ضرراً من الهدم، إذا ثبتت قانونياً وتقنياً إمكانية ذلك.

أما إذا كان الهدم إجراءً تفرضه مخالفة لا تقبل التسوية، فإن المطلوب هو توضيح الأسس القانونية والتقنية التي بُني عليها القرار، بما يعزز ثقة المواطنين في الإدارة ويقطع الطريق أمام التأويلات والتخمينات.

فالمواطن، وإن كان مطالباً باحترام القانون، يظل في حاجة إلى إدارة تنصت إليه، وتشرح له القرارات المتخذة في حقه، وتتعامل مع وضعيته وفق معايير واضحة وموحدة.

حين تتحول الجرافات إلى مشهد أمام أعين الأطفال

بعيداً عن المساطر القانونية والنقاشات الإدارية، هناك جانب إنساني لا يمكن تجاهله. فهدم جزء من منزل أسرة لا يعني فقط إزالة جدران وسقف، بل قد يعني أيضاً تبديد مدخرات سنوات من العمل، وإقحام الأسرة في أعباء مالية جديدة، وتركها أمام مستقبل يلفه القلق والخوف.

وتزداد قسوة المشهد عندما تتم عمليات الهدم أمام أعين أطفال صغار يشاهدون أجزاء من منازلهم تتهاوى، فيما يعيش آباؤهم وأمهاتهم لحظات من الحزن والعجز. إنها صور قد تترك آثاراً نفسية عميقة في نفوس الأطفال، الذين لا يستوعبون تفاصيل مخالفات البناء ولا تعقيدات قوانين التعمير، بقدر ما يدركون أن المكان الذي اعتبروه بيتاً آمناً أصبح مهدداً.

وهنا يبرز سؤال آخر: هل جرى استحضار هذه التداعيات الإنسانية عند اتخاذ القرار؟ وهل أمكن توفير أي بدائل أو تدابير تخفف من الأضرار التي لحقت بالأسر المعنية؟

إن احترام القانون لا يتعارض مع الرحمة، كما أن مراعاة الوضع الاجتماعي للمواطنين لا تعني التساهل مع المخالفات، بل تقتضي البحث عن التوازن الممكن بين سلطة القانون وكرامة الإنسان.

هل يتعلق الأمر بتطبيق القانون أم أن هناك حسابات انتخابية؟

وفي ظل هذه التطورات، يظل من المشروع التساؤل عما إذا كانت عمليات الهدم تندرج حصراً في إطار تطبيق القوانين المنظمة للتعمير، أم أن هناك اعتبارات أخرى قد تكون وراء توقيت هذه الإجراءات أو طريقة تنفيذها.

غير أن الحديث عن وجود حسابات انتخابية أو استهداف أشخاص بعينهم يظل مجرد تساؤل لا يجوز تحويله إلى اتهام دون أدلة. والحسم في هذا الأمر يقتضي توضيحات رسمية بشأن أسباب التدخل، ومعايير اختيار البنايات المعنية، والمساطر التي تم اعتمادها، ومدى توحيد تطبيق القانون على مختلف الحالات المماثلة.

فالمطلوب ليس تعطيل القانون أو منح امتيازات خارج إطاره، وإنما ضمان تطبيقه على الجميع بالمعايير نفسها، بعيداً عن الانتقائية أو أي اعتبارات لا تخدم المصلحة العامة.

التبصر في تدبير الشأن العام يبدأ من حماية المواطن

إن المسؤول الذي يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام مطالب باستحضار الأبعاد البعيدة المدى لقراراته، والنظر إلى آثارها على المجتمع، لا الاكتفاء بنتائجها الآنية. فالمقاربة المتبصرة هي التي تبحث عن الحل الأقل ضرراً، متى كان ذلك متاحاً قانوناً، وتوازن بين فرض احترام القواعد العمرانية وحماية الاستقرار الاجتماعي للأسر.

ومن هذا المنطلق، فإن قضية جماعة الصباح تستدعي فتح نقاش مسؤول حول سبل معالجة مخالفات البناء، ومراجعة الحالات التي يمكن تسويتها وفق القانون، وتوضيح أسباب اللجوء إلى الهدم في الحالات التي شملتها هذه العمليات.

فهل تتحول هذه القضية إلى فرصة لإعادة النظر في كيفية تدبير مخالفات البناء، بما يضمن الإنصاف ويحمي حقوق الساكنة، أم ستظل الجرافات هي الجواب الأول على اختلالات قد تكون لبعضها حلول قانونية أقل كلفة وأكثر إنسانية؟

إن جوهر القضية ليس في تبرير المخالفة أو رفض تطبيق القانون، بل في المطالبة بتطبيقه بعدالة، وبمقاربة تضع مصلحة المواطن في صلب القرار، لأن حماية النظام العام لا ينبغي أن تنفصل عن حماية الإنسان الذي وُضع القانون أساساً لتنظيم حياته وصون حقوقه.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً