البرنامج الحكومي 2026-2031.. أطفال التوحد ومتلازمة داون خارج أولويات إصلاح التعليم؟
هوسبريس-خالد غوتي
احتل إصلاح منظومة التربية والتكوين موقعاً بارزاً ضمن أولويات البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي عرضته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عشية اليوم أمام البرلمان، من خلال أهداف تروم تحسين جودة التعلمات، وتوسيع نموذج مؤسسات الريادة، والرفع من نسبة التلاميذ المتحكمين في الكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031، إلى جانب العمل على تحقيق هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» بحلول سنة 2030.
وتعكس هذه الأهداف توجهاً نحو الانتقال من توسيع الولوج إلى المدرسة إلى تحسين مردوديتها وجودة خدماتها، غير أن المحاور المعلنة تفتح، في المقابل، نقاشاً حول مدى استحضار خصوصيات الأطفال في وضعية إعاقة، ولا سيما المصابين باضطراب طيف التوحد والأطفال ذوي متلازمة داون، الذين تتطلب مواكبتهم التربوية إمكانات بشرية وبيداغوجية وفضاءات تعليمية تستجيب لاحتياجاتهم.
فإذا كانت جودة التعليم تشكل أحد الرهانات الأساسية للمرحلة المقبلة، فإن تحقيق هذا الهدف يقتضي أيضاً الاهتمام بالفئات التي تحتاج إلى ترتيبات تربوية خاصة، وضمان استفادتها من الإصلاحات المرتقبة، حتى لا تظل مؤشرات النجاح التعليمي بعيدة عن واقع جزء من الأطفال الذين يواجهون صعوبات إضافية في الولوج إلى التمدرس والاستمرار فيه.
أهداف عامة وأسئلة بشأن التعليم المتخصص
يتضمن البرنامج الحكومي، وفق المحاور المعلنة، إجراءات لتحسين التحكم في التعلمات الأساسية، من بينها مواصلة تطوير مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني للتعلمات والكفايات، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي الفردي، وتوظيف الوسائل الرقمية لتتبع مكتسبات التلاميذ.
كما يضع محاربة الهدر المدرسي ضمن أولوياته، من خلال الرصد المبكر للأطفال المهددين بالانقطاع، ومواكبة مساراتهم، وتوجيه المنقطعين نحو حلول بديلة، سواء عبر إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني والتكوين بالتدرج.
غير أن هذه التوجهات، على أهميتها، تطرح تساؤلات بشأن الكيفية التي ستُكيَّف بها مع احتياجات الأطفال المصابين بالتوحد ومتلازمة داون، ومدى توفر أقسام متخصصة تستجيب لخصوصياتهم، وأطر تربوية مؤهلة، ووسائل تعليمية مناسبة، إلى جانب خدمات المواكبة النفسية والتربوية عند الحاجة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن هذه الفئة مستبعدة من البرنامج الحكومي، بل بالتساؤل عن مدى وضوح التدابير العملية المخصصة لها ضمن الأهداف العامة المعلنة، وعن إمكانية ترجمة مبدأ تكافؤ الفرص إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم.
فالمساواة في الحق في التعليم لا تعني بالضرورة اعتماد الأساليب نفسها مع جميع الأطفال، بل تقتضي مراعاة اختلاف احتياجاتهم، وتوفير الشروط التي تمكن كل طفل من التعلم والتطور وفق قدراته وإمكاناته.
الصخيرات.. ضغط متزايد على العرض التربوي المتخصص
تبرز مدينة الصخيرات باعتبارها نموذجاً يستحق الدراسة، بالنظر إلى التحديات المرتبطة بتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، خاصة في ظل محدودية المؤسسات -مؤسسة وحيدة- التي تقدم خدمات تربوية متخصصة لهذه الفئة.
وتزداد أهمية هذا النقاش في سياق التحولات التي عرفتها المدينة عقب عمليات ترحيل دواوير عمالة الصخيرات-تمارة إليها، وما قد يترتب عن ذلك من ضغط إضافي على المرافق والخدمات الأساسية، بما فيها المؤسسات التعليمية -أو بالاحرى المؤسسة التعليمية-.
وبالتالي فإن وجود مدرسة وحيدة بالمدينة تعنى بهذه الفئة يثير تساؤلات حول قدرتها الاستيعابية، ومدى تلبيتها لحاجيات الأطفال، في ظل ضرورة التحقق من الأرقام الرسمية المتعلقة بعدد المستفيدين والطاقة المتاحة وحجم الطلب الفعلي.
فإذا كانت المؤسسات التعليمية تواجه تحديات في استقبال الأعداد المتزايدة من التلاميذ، فإن وضعية الأطفال الذين يحتاجون إلى مواكبة تربوية متخصصة تقتضي اهتماماً إضافياً، بالنظر إلى طبيعة الخدمات المطلوبة، وصعوبة تعويض غيابها بمجرد توفير مقعد داخل قسم عادي.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تشخيص دقيق يحدد عدد الأطفال المعنيين، ومستويات الخصاص في الأقسام والأطر المتخصصة، ومدى قدرة العرض الحالي على الاستجابة للطلب، تمهيداً لوضع حلول تتناسب مع واقع المدينة وتطور حاجيات سكانها.
أقسام محدودة العدد وأطر مؤهلة.. شروط لتعلم أكثر ملاءمة
تختلف احتياجات الأطفال المصابين بالتوحد عن احتياجات الأطفال ذوي متلازمة داون، كما تختلف من طفل إلى آخر داخل الفئة نفسها. ولذلك، فإن توفير تعليم ملائم لا يقتصر على إحداث أقسام إضافية، بل يتطلب بناء عرض تربوي مرن، يستند إلى تقييم فردي للاحتياجات، ويضمن توفر الأطر المؤهلة والوسائل التعليمية المناسبة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأقسام محدودة العدد، التي قد يتراوح عدد تلاميذها بين خمسة وعشرة أطفال بحسب طبيعة الاحتياجات ومستوى الدعم المطلوب، بما يسمح بتوفير قدر أكبر من المتابعة الفردية والتفاعل التربوي.
كما يستدعي تحسين ظروف تمدرس هذه الفئة تعزيز تكوين الأطر التعليمية، وتوفير الوسائل البيداغوجية الملائمة، وتطوير التنسيق بين المؤسسات التعليمية والقطاعات الصحية والاجتماعية، فضلاً عن مواكبة الأسر التي تتحمل جزءاً مهماً من أعباء الرعاية والتأهيل.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التدابير باعتبارها مطالب ثانوية مقارنة ببقية أوراش الإصلاح، بل باعتبارها مكونات أساسية لأي سياسة تعليمية تسعى إلى ضمان الإنصاف وتحسين جودة التعلمات لجميع الأطفال.
تكافؤ الفرص يقتضي مؤشرات تشمل الجميع
إن الالتزام برفع مستوى التحكم في التعلمات ومحاربة الانقطاع المدرسي يظل بحاجة إلى آليات واضحة تضمن عدم إغفال الفئات التي تواجه عوائق خاصة في مسارها التعليمي. ومن ثم، فإن تقييم نتائج الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات الإجمالية، بل يستحسن أن يشمل مدى تحسن الولوج إلى التعليم المتخصص، وتطور الطاقة الاستيعابية للأقسام، وتوفر الموارد البشرية المؤهلة، واستمرارية التمدرس لدى الأطفال في وضعية إعاقة.
ويطرح هذا التوجه على الجهات المعنية سؤال إدراج أهداف أكثر وضوحاً بشأن التعليم الدامج والمتخصص ضمن برامج التنفيذ، مع تحديد الحاجيات المجالية، ورصد الموارد اللازمة، ووضع مؤشرات لتتبع النتائج، حتى تتمكن الأسر من معرفة التدابير المقررة والآجال المرتبطة بتنفيذها.
كما أن العناية بالأطفال في وضعية إعاقة تنسجم مع التوجه نحو صون كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة وتعزيز حقوقهم، وهي قضايا تحظى باهتمام ملكي، ما يجعل ترجمة مبادئ الإدماج والإنصاف إلى خدمات ملموسة مسؤولية تستدعي تضافر جهود مختلف المؤسسات والقطاعات.
الصخيرات أمام الحاجة إلى حلول عملية
بالنسبة إلى مدينة الصخيرات، فإن الاستجابة لهذا الملف تقتضي الانتقال من تشخيص الصعوبات إلى بلورة حلول عملية، تبدأ بتحديد العدد الفعلي للأطفال الذين يحتاجون إلى خدمات متخصصة، وتقييم وضعية المؤسسة الموجودة وقدرتها الاستيعابية، ثم دراسة إمكانية إحداث أقسام إضافية أو توسيع العرض التربوي وفق الحاجيات المرصودة.
كما يظل من الضروري تعزيز الموارد البشرية المتخصصة، وتيسير استفادة الأسر من خدمات التوجيه والمواكبة، وضمان ألا يتحول مكان السكن أو صعوبة التنقل إلى عائق أمام حق الأطفال في التعليم والتأهيل.
ولا يمكن الجزم بمدى كفاية العرض الحالي دون معطيات رسمية محينة، لكن طرح هذه الأسئلة يظل مشروعاً، بالنظر إلى أهمية الملف وانعكاساته المباشرة على الأطفال وأسرهم.
في المحصلة، يفتح البرنامج الحكومي 2026-2031 نقاشاً أساسياً حول مدى شمول أهداف إصلاح التعليم لجميع المتعلمين، بمن فيهم الأطفال المصابون بالتوحد ومتلازمة داون. فبين رفع نسب التحكم في التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي، تظل الحاجة قائمة إلى توضيح التدابير التي ستضمن لهذه الفئة تعليماً ملائماً، وأقساماً تستجيب لاحتياجاتها، وأطراً مؤهلة لمواكبة مسارها.
وبالنسبة إلى الصخيرات، فإن التحدي يتمثل في تحويل هذه الحاجة إلى ملف يحظى بالتشخيص والتخطيط والتتبع، بما يضمن أن يكون إصلاح المدرسة العمومية ورشاً يستفيد منه جميع الأطفال، دون أن تحد طبيعة احتياجاتهم أو ظروفهم المجالية من فرصهم في التعلم والتطور.
التعليقات