إعفاء ماديحة خيير يفجّر أسئلة الشهادة الطبية: هل توثّق معاناة صحية أم تستدعي تحقيقاً في شبهة تضليل القضاء؟
هوسبريس-خالد غوتي
يفتح إعفاء ماديحة خيير من مهامها الحكومية الباب أمام تساؤلات ثقيلة بشأن شهادة طبية تعود إلى سنة 2004، عادت إلى الواجهة بعد تداولها إعلامياً، وأثارت جدلاً حول مدى مطابقة مضمونها للحقيقة، والظروف التي حُررت فيها، وما إذا كانت قد استُعملت في مسطرة قضائية سابقة.
ويضع هذا الملف الجهات المختصة أمام ضرورة التحقق من حقيقة وثيقة يُنسب إليها تضمين معطيات تتعلق بالحالة النفسية لصاحبتها، في وقت لا تزال فيه ملابسات تحريرها وسياق استعمالها غير محسومة بصورة مستقلة. فبين شهادة طبية يُفترض أن تؤدي وظيفة تشخيصية وعلاجية، ووثيقة قد تكون لها آثار قانونية إذا أُدلي بها أمام القضاء، تتشكل أسئلة لا يمكن حسمها بالتأويل أو الاكتفاء بما يجري تداوله على منصات التواصل الاجتماعي.
وتكمن أهمية القضية في طبيعة الادعاءات المرتبطة بالوثيقة، التي قُدمت إعلامياً باعتبارها شهادة صادرة عن طبيب مختص في الأمراض النفسية والعقلية، وتتضمن إشارات إلى محاولات سابقة للانتحار وما وُصف بأنه نقص في النضج النفسي والوجداني وهشاشة نفسية بنيوية. غير أن ورود هذه العبارات في وثيقة متداولة لا يثبت، في حد ذاته، صحتها أو دقتها، كما لا يسمح بالجزم بأن الشهادة أصلية أو بأن مضمونها يعكس بالفعل تقييماً طبياً موثقاً.
والسؤال الأكثر إلحاحاً: هل حُررت الشهادة لتوثيق حالة صحية تستدعي العلاج والمتابعة، أم أن ظروف إعدادها واستعمالها قد تثير شبهة توظيفها للتأثير في مسار قضائي؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني تبني أي من الاحتمالين، ولا يبرر اتهام صاحبة الوثيقة أو الطبيب المنسوبة إليه أو أي طرف آخر. لكنه يفرض، في المقابل، عدم التعامل مع الملف باعتباره مجرد جدل عابر، خصوصاً إذا ثبت أن الشهادة أُدلي بها ضمن إجراءات قضائية، وأن مضمونها كان من شأنه التأثير في تقدير جهة قضائية لوقائع أو مسؤوليات معروضة عليها.
فإذا كانت الوثيقة قد حُررت استناداً إلى فحص طبي حقيقي ومعطيات مهنية موثقة، فإن التحقق من أصلها وسياقها من شأنه وضع حد للتأويلات التي تحيط بها. أما إذا كشفت الوثائق الأصلية عن تناقضات جوهرية أو معطيات غير صحيحة، أو أظهرت أن الشهادة استُعملت لغرض غير مشروع، فإن الأمر قد يستوجب بحثاً قانونياً لتحديد حقيقة الوقائع والمسؤوليات المحتملة، وفقاً للقانون ونتائج التحقيق.
ومن هنا تبرز ضرورة التحقق من أصل الشهادة، وهوية الجهة التي أصدرتها، وتاريخ تحريرها، والأسس الطبية التي استندت إليها، فضلاً عن تحديد ما إذا كانت قد قُدمت فعلاً أمام القضاء، وفي أي سياق، وما إذا كان لها أثر مثبت في مسار الملف المعني. كما ينبغي، عند الاقتضاء، فحص الوثائق القضائية الأصلية والاستماع إلى الأطراف المعنية، مع احترام السرية الطبية والضمانات القانونية وحقوق الدفاع.
ولا يقل أهمية عن ذلك التمييز بين صحة الوثيقة من الناحية الطبية، وسلامة تحريرها من الناحية المهنية، والغرض من استعمالها قانونياً. فهذه مسائل مترابطة، لكنها ليست متطابقة؛ إذ لا يثبت مجرد وجود شهادة طبية أن صاحبها حاول تضليل القضاء، كما أن ثبوت تقديم وثيقة أمام جهة قضائية لا يعني تلقائياً أنها أثرت في القرار أو غيّرت مسار القضية.
وتعود الوثيقة، بحسب ما تداولته منابر إعلامية، إلى سياق مرتبط بملف قضائي سابق أُثيرت بشأنه روايات تتعلق بشبهات مرتبطة بشيكات بنكية. غير أن تفاصيل هذا الارتباط، وطبيعة الإجراءات التي اتُّخذت حينها، ومدى اعتماد أي جهة قضائية على الشهادة، تظل مسائل تحتاج إلى مستندات أصلية ومعطيات موثوقة قبل تقديمها باعتبارها وقائع ثابتة.
ويكتسب هذا التحقق أهمية إضافية بالنظر إلى عودة الملف إلى الواجهة بالتزامن مع إعفاء خيير من مهامها الحكومية. فقد أعلن بلاغ للديوان الملكي أن الملك محمد السادس وافق على طلب تقدمت به رئيسة الحكومة يقضي بإعفاء خيير، التي كانت تشغل منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل.
ومع أن التزامن بين الإعفاء وتداول الوثيقة أثار تساؤلات بشأن العلاقة المحتملة بينهما، فإنه لا يكفي وحده لإثبات أن الشهادة كانت السبب المباشر في القرار. فتحديد دوافع الإعفاء يقتضي الاستناد إلى معطيات رسمية أو أدلة موثوقة، لا إلى استنتاجات مبنية على التقارب الزمني بين حدثين.
وكانت خيير قد دخلت الحكومة بعد مسار سياسي وبرلماني داخل حزب الاستقلال، تولت خلاله رئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، بعدما حققت نتيجة متقدمة في الانتخابات المحلية بدائرة بني ملال. ويجعل هذا المسار القضية محط اهتمام سياسي وإعلامي، لكنه لا يغير من القاعدة الأساسية التي ينبغي أن تحكم تناولها: لا إدانة من دون دليل، ولا تحصين لأي وثيقة من التحقق لمجرد ارتباطها بالحياة الخاصة أو بالمسار السياسي لشخصية عامة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الحالة النفسية إلى وسيلة للطعن في الشخص أو التشكيك في أهليته، كما لا يجوز استخدام المعطيات الطبية، الصحيحة كانت أم المتنازع بشأنها، خارج سياقها المهني والقانوني. فالمطلوب ليس محاكمة الحالة الصحية لصاحبة الشهادة في الفضاء العام، وإنما التحقق من سلامة الوثيقة ومدى مشروعيتها إذا ثبت أنها استُعملت لأغراض قضائية.
إن جوهر القضية يتجاوز الجدل حول وثيقة قديمة إلى سؤال يتعلق بسلامة استعمال الشهادات الطبية حين تصبح جزءاً من مسار قضائي. فإذا ثبتت صحة الوثيقة ومشروعيتها، وجب إظهار ذلك بالوسائل القانونية المتاحة، ووضع حد للادعاءات غير المدعومة. وإذا كشفت التحقيقات عن معطيات جدية تشير إلى تزوير أو تضمين معلومات غير صحيحة أو استعمال غير مشروع، فإن تحديد المسؤوليات يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة، وفق الأدلة والقانون.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى الحاجة قائمة إلى أجوبة واضحة عن أسئلة محددة: ما أصل الشهادة؟ وعلى أي أساس طبي حُررت؟ وهل قُدمت أمام القضاء؟ وما الغرض من تقديمها؟ وهل ترتب عليها أثر قانوني فعلي؟ والأهم، هل توجد وثائق مستقلة تسمح بتأكيد الوقائع أو نفيها؟
إن فتح بحث قانوني، متى توافرت شروطه وموجباته، من شأنه أن ينقل القضية من دائرة الروايات المتضاربة إلى فضاء التحقق المؤسسي. أما الاكتفاء بتداول صورة الوثيقة، أو بناء اتهامات على مضمون لم يُتحقق منه، فلن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الشك من دون الاقتراب بالضرورة من الحقيقة.
وفي انتظار ما قد تكشف عنه الوثائق الأصلية أو أي توضيحات رسمية، تظل الشهادة المتداولة موضوع تساؤلات مشروعة، لا دليلاً كافياً لإثبات مخالفة أو تضليل. فالحقيقة لا تُستخلص من قوة الاتهام، بل من قوة الإثبات، والعدالة لا تتحقق بتوجيه الأحكام المسبقة، وإنما بكشف الوقائع وتحديد المسؤوليات على أساس القانون.
التعليقات