دروع شرطية مضيئة تثير الجدل في فرنسا بشأن الحريات العامة
هوسبريس-سيداتي بيدا
أثارت معدات أمنية جديدة استخدمتها الشرطة الفرنسية خلال احتجاجات طلابية في باريس موجة من التساؤلات بشأن حدود استخدام التكنولوجيا في التدخلات الأمنية، ومدى تأثيرها المحتمل على سلامة المتظاهرين وقدرة الصحافيين والمواطنين على توثيق الأحداث الميدانية.
وتعود تفاصيل القضية إلى احتجاجات شهدتها العاصمة الفرنسية يومي الثلاثاء 6 والخميس 8 أكتوبر الجاري، حين رُصد عناصر من الشرطة وهم يستخدمون دروعاً مجهزة بشرائط ضوئية تطلق ومضات متتابعة باللونين الأبيض والأخضر، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول تطوير وسائل حفظ النظام العام والضمانات القانونية المرتبطة باستخدامها.
وأقرت وزارة الداخلية الفرنسية، الجمعة، بأن هذه المعدات تخضع للاختبار في إطار برنامج يهدف إلى تطوير وسائل التدخل الأمني. غير أن الإعلان لم يضع حداً للجدل، بل أثار تساؤلات بشأن دواعي اعتماد هذه التقنية، ومدى فعاليتها في الميدان، والمخاطر المحتملة المرتبطة باستخدامها في محيط يشهد تجمعات بشرية وتدخّلات أمنية متوترة.
وتتركز المخاوف المطروحة حول طبيعة الومضات الضوئية الصادرة عن هذه الدروع، ومدى تأثيرها على الرؤية خلال الاحتجاجات، فضلاً عن احتمال انعكاسها على ظروف التصوير والتوثيق، وهي عناصر تكتسي أهمية خاصة في سياق مراقبة أداء القوات الأمنية وضمان احترام الحقوق الأساسية.
وفي هذا الإطار، دعت رابطة حقوق الإنسان إلى سحب هذه المعدات، معبرة عن مخاوف بشأن تداعيات استخدامها خلال عمليات حفظ النظام. ويعكس هذا الموقف اتساع دائرة التساؤلات الحقوقية بشأن الضوابط التي ينبغي أن تحكم إدخال وسائل تقنية جديدة إلى التدخلات الشرطية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعدات قد تؤثر في ظروف المواجهة داخل الفضاء العام.
من جهتها، سلطت منظمة «مراسلون بلا حدود» الضوء على الإشكالات المرتبطة بقدرة الصحافيين والمواطنين على تصوير التدخلات الأمنية وتوثيقها. وتكتسي هذه المسألة أهمية بالغة، بالنظر إلى الدور الذي يؤديه التوثيق الميداني في نقل الوقائع، وإتاحة المعلومات للرأي العام، وتعزيز آليات المساءلة بشأن كيفية تدبير الاحتجاجات.
ويعيد هذا الجدل طرح إشكالية التوازن بين صلاحيات الدولة في الحفاظ على النظام العام، وضرورة احترام حرية التظاهر والإعلام والتوثيق. فحق السلطات في تطوير أدواتها الأمنية لا يعفيها من واجب إثبات سلامة هذه الوسائل وفعاليتها، ولا من ضرورة إخضاع استخدامها لضوابط قانونية واضحة تتناسب مع طبيعة التدخل والظروف المحيطة به.
كما أن إدخال تقنيات جديدة إلى العمل الشرطي يستدعي، من الناحية العملية، توضيح نتائج الاختبارات ومدى تأثير المعدات على الأشخاص الموجودين في محيط استخدامها، إلى جانب تحديد الحالات التي يسمح فيها باللجوء إليها، وآليات مراقبة استخدامها وتقييم نتائجه بصورة مستقلة.
وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى السلطات الفرنسية لتقديم توضيحات بشأن المعايير المعتمدة في اختبار هذه الدروع، والضمانات الموضوعة لتفادي أي تأثير غير مبرر على حقوق المتظاهرين والصحافيين والمواطنين. كما يظل الكشف عن نتائج التقييمات التقنية وتحديد المسؤوليات المرتبطة باستخدام هذه المعدات عاملاً أساسياً في تبديد المخاوف المطروحة.
وتؤكد هذه القضية أن تحديث الوسائل الأمنية لا يمكن فصله عن متطلبات الشفافية والمساءلة واحترام الحريات العامة. ففاعلية الأجهزة الأمنية لا تقاس بحداثة معداتها وحدها، وإنما أيضاً بمدى خضوع استخدامها للقانون، وقدرتها على أداء مهامها دون المساس غير المبرر بالحقوق الأساسية.
وبين متطلبات حفظ النظام العام وضمان حرية العمل الصحافي والتظاهر، يبقى التحدي أمام السلطات الفرنسية هو إثبات أن التكنولوجيا الجديدة تشكل إضافة إلى أدوات التدخل الأمني، لا وسيلة تثير مخاوف إضافية بشأن حماية الحريات داخل الفضاء العام.
التعليقات