السبت، 10 أكتوبر 2026
ثقافة وإعلام

خالد غوتي يكتب: حين يتراجع التكوين وتُختزل الصحافة في الضجيج.. من يحمي المهنة من الرداءة؟

خالد غوتي يكتب: حين يتراجع التكوين وتُختزل الصحافة في الضجيج.. من يحمي المهنة من الرداءة؟

هوسبريس-خالد غوتي 

من بين الإشكالات التي تستحق نقاشاً جدياً داخل الجسم الصحافي، ظاهرة انتساب أشخاص يفتقرون إلى المستوى التعليمي والثقافي والتكوين المعرفي اللازم إلى مهنة يُفترض أنها تقوم على الوعي والمسؤولية والقدرة على التحليل والتمييز بين المعلومة والرأي، وبين الحقيقة والإشاعة.

فالصحافة ليست مجرد ميكروفون يُحمل، أو كاميرا تُوجَّه، أو منشور يُكتب، ولا هي مجرد قدرة على رفع الصوت وإثارة الجدل واستقطاب المشاهدات. إنها مهنة تتطلب رصيداً معرفياً، وتمكناً لغوياً، ووعياً بالسياقات السياسية والاجتماعية، وإلماماً بأخلاقيات الممارسة الإعلامية.

إن الإشكال لا يكمن في غياب الشهادات الجامعية وحده، فالشهادة ليست المقياس الوحيد للكفاءة، ولا ينبغي اختزال الاستحقاق المهني في المستوى الدراسي. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يقترن ضعف التكوين بغياب الثقافة العامة، وانعدام أدوات التحليل، وعدم احترام قواعد التحقق، ثم يُمنح صاحبه موقعاً إعلامياً يسمح له بالتأثير في الرأي العام وتوجيه النقاش العمومي.

والأخطر أن بعض الممارسات جعلت من الشعبوية والصراخ والتضليل وسائل للنجاح، بينما باتت الرزانة والرصانة والقدرة على النقاش المسؤول تبدو وكأنها عناصر لا تمنح صاحبها أي أفضلية. وهكذا أصبح الحضور الإعلامي، في بعض الحالات، منفصلاً عن التأهيل الحقيقي، وأصبحت الضجة أحياناً بديلاً عن المعرفة، والجرأة غير المحسوبة بديلاً عن المهنية.

إن الانتماء إلى الجسم الصحافي ينبغي ألا يكون مجرد صفة تُكتسب بالممارسة الشكلية أو بالظهور المتكرر، بل مسؤولية تستوجب الحد الأدنى من الكفاءة المعرفية واللغوية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والاستعداد المستمر للتعلم والتكوين.

لسنا أمام دعوة إلى احتكار الصحافة من طرف خريجي الجامعات، ولا إلى إقصاء أصحاب التجارب الميدانية الذين راكموا كفاءتهم بالممارسة، وإنما أمام ضرورة التمييز بين الانفتاح على مختلف المسارات وبين التساهل مع الرداءة وغياب التأهيل.

فليس كل من مارس الصحافة أصبح صحافياً بالمعنى المهني والأخلاقي للكلمة، كما أن حرية الولوج إلى المهنة لا تعني إعفاء ممارسيها من شروط الكفاءة والمسؤولية.

وحين يتراجع التكوين، وتغيب الثقافة، وتُهمَّش المهنية، يصبح من الطبيعي أن تتراجع جودة الخطاب الإعلامي، وأن تتحول بعض المنابر من فضاءات لتنوير الرأي العام إلى منصات لإعادة إنتاج التفاهة والتضليل.

المطلوب اليوم ليس التعالي على أحد بسبب مستواه الدراسي، بل إعادة الاعتبار للكفاءة والمعرفة والتكوين، ووضع معايير مهنية واضحة تحمي الصحافة من كل أشكال الرداءة، وتضمن أن يكون التأثير في الرأي العام مسؤولية يمارسها المؤهلون لها، لا امتيازاً يُمنح لكل من استطاع أن يلفت الانتباه.

فالصحافة تحتاج إلى أصوات حرة، نعم، لكنها تحتاج أيضاً إلى عقول مؤهلة، وثقافة راسخة، وضمير مهني. لأن حرية الكلمة تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها حين لا تسندها المعرفة والمسؤولية.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً